قضية المهدي بن بركة بين الطرحين الجنائي والسياسي

رغم مرور ما يقارب الأربعة عقود على عملية اختطاف واغتيال المهدي بن بركة في باريز،  يوم الجمعة 29 أكتوبر 1965، فإن القضية مازالت تصنع الأحداث إلى يومنا هذا، من خلال الروايات والشهادات وانعكاسات مسار المغرب السياسي الراهن، و هذا المنحى وحده كفيل بوضع حقيقة اغتيال بن بركة في سياقها السياسي. إن التحولات التي يعرفها المشهد السياسي المغربي منذ 1997، وإعادة الاعتبار المعنوي لشخصية بن بركة، من خلال تجاوز عقدة اللسان التي كانت تصيب البعض عندما يذكر اسم المهدي بن بركة في المحافل الرسمية، ومن خلال إطلاق اسم بن بركة على أحد أجمل وأكبر شوارع مدينة الرباط، ومحاولة تصفية تداعيات القضية مع طرفين أساسيين، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وعائلة  بن بركة. أنتجت هذه التحولات جميعها سياقا جديدا سمح بتسرب الضوء من جديد إلى ملف اغتيال هذه الشخصية، خصوصا في السنوات الأخيرة التي أعقبت قرار الحكومة الفرنسية ، المتمثل في الرفع الجزئي لسرية الدولة عن ملف بن بركة.

سنحاول من خلال هذه المقالة، وانطلاقا من  تركيب جل الأطروحات والروايات وضع عملية اختطاف واغتيال بن بركة في إطار سياقها التاريخي، الذي يمكن أن يوضح بشكل عام لماذا اغتيل بن بركة أواخر أكتوبر 1965. واعتمدنا في ذلك الوثائق الداخلية سواء المتعلقة بحزبه الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، أو بملفات دفاع الطرف المدني أو بالمقالات التي كتبت حول القضية، والموجودة في أرشيف مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد. اعتمدنا أيضا في مقاربتنا هذه لقصية بن بركة، على التصريحات والروايات الأخيرة لكل من أحمد البخاري ورؤوف أوفقير. وهدفنا من كل هذا تمكين القارئ من جل ” المعلومات ” ، التي نشرت حول الموضوع ، فلا يجوز أخلاقيا وسياسيا أن تتحول عملية اغتيال بن بركة إلى قصة بوليسية ، ومسألة ثأر بين أشخاص ،أو محاولة فك ألغاز عملية الاغتيال من خلال الاستدلال بالجزء على الكل ، كما يقول الفقهاء، والقراءة السياسية للقضية هي الوحيدة القادرة على إمساك الماضي بالمستقبل.

لقد أعطى بن بركة كل ما يملك لهذا الشعب ، فبادله هذا الأخير شعور الوفاء بحفر اسمه في الذاكرة المقدسة لوطن اسمه المغرب ، وكم من الرجال في وطننا من يحمل اسم المهدي. كان بن بركة شعلة من النضال والحركة داخل حزبه ، الاتحاد بما له وما عليه ، لكي  يبقى ذلك النبراس الذي علقت عليه أجيالبكاملها أمل مغرب المساواة والعدل والحرية والديمقراطية، فاحتراما للتاريخ وللذاكرة ، للشعب المغربي الحق في رؤية واضحة لما وقع سنة 1965، لكي نستطيع جميعا القيام بقراءة مشتركة لهذا الحدث ونفكر بصوت عال لبناء المستقبل، فالشعور الوطني يمتد عميقا في الماضي والحاضر أيضا ، وكلنا أمل أن تقال الحقيقة ليس فقط في ما وقع لبن بركة ، بل لكل أولئك الذين لا يملكون في هذا الوطن قبرا . وعندما نفتح أرشفينا وذاكرتنا في منتصف النهار ، نستطيع أن نرى مستقبلنا جيدا ، معتزين بماضينا، أقوياء بحاضرنا، ولن يسمح التاريخ باغتيال بركة وتراثه مرتين.

المهدي بن بركة : 1920 – 1965

نشرت دار النشر المغربية،  أوائل سنة 1976 ، كتابا بقلم عبد اللطيف جبرو ، وتقديم مصطفى القرشاوي،  تحت عنوان : ” المهدي بن بركة ،ثلاثون سنة من العطاء الفكري والنضال الثوري من أجل بناء مجتمع جديد”. وصدر الكتاب بمناسبة عشر سنوات على اغتيال بن بركة . كان هذا أول كتاب ينشر في المغرب حول المهدي بن بركة، وكان من المفترض أن ينشر بتقديم من عمر بنجلون، لكن اغتياله في 18 دجنبر 1975 ، أجل نشره إلى أوائل سنة 1976. رسم جبرو في هذا الكتاب  مسار بن بركة منذ ولادته إلى زمن اغتياله.، ورصع الكتاب بصور نادرة للفقيد.

وفق المعطيات الواردة في هذا الكتاب ، ولد المهدي بن بركة في الرباط في يناير 1920 ، كان أبوه تاجرا صغيرا  يبيع السكر والشاي ، في حي بوقرون  ، قرب زاوية سيدي قاسم.  بدأ دراسته في المسجد، قبل أن يدخل مدرسة لعلو، ثم كوليج مولاي يوسف ، فثانوية كورو .

كان المهدي بن بركة بشهادة أساتذته وأصدقائه تلميذا متفوقا في الرياضيات و التاريخ والعلوم واللغة الفرنسية. بدأ حياته السياسية في إطار كتلة العمل الوطني ، وهو في سن الخامسة عشر ، ونقل جبرو في كتابه السالف الذكر أن المهدي كان من المواظبين على “الورد”  في ضريح سيدي العربي بن السايح، وكان عضوا في الفرقة المسرحية التابعة لقدماء المدرسة اليوسفية بالرباط، ومثل أدوارا في مسرحيتي “لقيط الصحراء” و”غفران الأمير”.

حصل المهدي بن بركة سنة 1939 على القسم الثاني من الباكلوريا في الرياضيات. كان من المفروض أن يلتحق  بجامعة باريس ، لكن قيام الحرب العالمية الثانية ، دفعته  إلى التوجه إلى الجزائر ، حيث حصل هناك سنة 1942 على  الليسانس في الرياضيات. وابتداء من السنة الدراسية 942-1943، بدأ حياته المهنية بالكوليج المولوي وثانوية كورو بالرباط . اعتقل بن بركة مباشرة بعد مظاهرت يناير 1944، و بعد التوقيع على وثيقة المطالبة بالاستقلال. بعد خروجه من السجن سنة 1945 ، سيعين مديرا إداريا للجنة التنفيذية لحزب الاستقلال ، ليشرف بعد ذلك على تحضير إصدار جريدة العلم ، وتحديد خطها السياسي.

ظهر أيضا اسم المهدي بن بركة إلى جانب عبد الرحيم بوعبيد ، حين قدم الاثنان مذكرة عن الحالة بالمغرب إلى الأمم المتحدة ، التي كان يوجد مقرها في البداية بباريس . اعتقل في فبراير 1951 ، وفرضت عليه الإقامة الجبرية في المنفى ، ليطلق سراحه في أكتوبر 1954 . لعب الرجل دورا بارزا في الاتصالات التي تمت مع عدد من الأوساط الفرنسية المساندة لاستقلال المغرب ، لبحث إمكانية استقلال المغرب ، موازاة مع حركة المقاومة التي انتشرت في عدد من المناطق بالمغرب.

استطاع بن بركة أن يحافظ على عدة توازنات داخل حزب الاستقلال الذي عقد مؤتمرا في دجنبر 1955 . انتخب رئيسا للمجلس الوطني الاستشاري بعد حصول المغرب على استقلاله.

دخل المغرب منذ سنة 1956 منعطفا جديدا ، كان له الأثر على تشكل موازين القوى في مغرب ما بعد الاستقلال  ، وستعكس هذه التأثيرات على حزب الاستقلال أيضا ، الذي عرف مخاضا استمر ثلاث  سنوات ، أدت إلى ميلاد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959 .

بين 1956 و1959 ، كان المهدي بن بركة ، محاضرا ومنظرا ومشرفا على التنظيم ومحددا للخط السياسي للحزب، وإلى جانب عدد من المحاضرات التي ألقيت في مدن مغربية عدة ، في صيف 1957 كان بن بركة وراء مشروع طريق الوحدة ، الذي تكلف بإنجازه 12 ألف شاب ، ، ويتعلق الأمر بشق طريق طوله 60 كلم يربط بين تاونات وكتامة . كان بن بركة تواقا إلى الاستفادة من تجارب بعض الدول كالصين والاتحاد السوفياتي في توظيف طاقة الشباب من أجل تنفيذ مشاريع اقتصادية واجتماعية كبيرة.

تأسس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في 6 شتنبر 1959 ، حين أعلن جزء من مكونات حزب الاستقلال ، في 25 يناير 1959، عن تأسيس الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال ، بعدما عز التعايش بين ما كان يعرف بالجناح اليساري داخل حزب الاستقلال والعناصر النقابية وجناح المقاومة ، وبين أطراف أخرى داخل الحزب. وإذا كان الجناح النقابي وجناح المقاومة ، قد دفعا باتجاه التصعيد ، فإن المهدي بن بركة ، حاول في البداية أن يجد توافقا بين الأطراف جميعها ، لكن يظهر أن الرجل اتخذ قرارا في يوليوز 1958 ، بتبني توجه  النقابيين والمقاومين ، ويبدو أن إفشال قيام حكومة علال الفاسي في دجنبر 1958، كانت وراء اتخاذ قرار الانفصال عن حزب الاستقلال.

لعب المهدي بن بركة دورا أساسيا من حيث التوجيه التنظيمي أو السياسي للتنظيم الجديد ، ويظهر ذلك من خلال التحكم في مجرى انعقاد المؤتمر يوم 6 شتنبر .( أنظر كتابنا من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: 1959-1983 – الرباط 2002 ، الفصل الثاني ، ص 38)

عرفت سنة 1960 صراعا قويا بين توجهين داخل الساحة الوطنية المغربية ، تمحور حول المسار الذي ينبغي أن يأخذه المغرب ، خصوصا بعد الإجراءات الاقتصادية والسياسية التي اتخذتها حكومة عبد الله إبراهيم ، وأدى ذلك إلى إقالة الحكومة  في ماي 1960. في هذا الزمن استشعر المهدي بن بركة خطورة التحول الذي سلكه المغرب، ولذلك لم يعد إليه بعد ترأسه لوفد الاتحاد الوطني إلى مؤتمر الشعوب الإفريقية الذي انعقد بتونس ، وتوج التوجه العالمي الجديد لبن بركة، بانتخابه رئيسا للجنة السياسية لمنظمة التضامن الإفريقي الآسيوي ، في شهر أبريل 1960، والتي عقدت مؤتمرها الثاني بكوناكري بغينيا..

حضر بن بركة بالقاهرة ، يوم 23 مارس، المؤتمر الثالث للشعوب الإفريقية ، وقام بجولة في الشرق الأوسط، مركزا على تحرير الشعوب من الهيمنة الاستعمارية. شارك بن بركة أيضا في المؤتمر الثالث لمنظمة التضامن الأفرو أسيوي ، الذي انعقد في باندونغ . بدا نشاط المهدي بن بركة يأخذ بعدا عالميا من خلال مشاركاته المتعددة في المؤتمرات الجهوية والقارية حول مناهضة الاستعمار وتحرير الشعوب.

كان حضور المهدي بن بركة في القاهرة مناسبة للالتقاء مع محمد بن عبد الكريم الخطابي ، ولعب الزعيم الاتحادي دورا كبيرا إلى جانب عبد الله إبراهيم في تغيير عدد من مواقفه حول الاستقلال وحكومة عبد الله إبراهيم ، خصوصا موقف الحكومة  من جلاء القوات الأجنبية ، وأحداث الريف التي وقعت أواخر 1958 وبداية 1959 . أصبح إذن المهدي بن بركة مرجعا لمحمد بن عبد الكريم في عدد من القضايا المرتبطة بالمغرب وبحركات التحرر في العالم ، خصوصا منذ تبوأ بن بركة مسؤوليات في عدد من المؤتمرات الجهوية والقارية. ( أنظر مقال عثمان بناني : محمد بن عبد الكريم ومسألة استقلال لمغرب، مجلة أمل،عدد 8 ،ص ص، 145-154 ،1999)

عاد المهدي بن بركة إلى المغرب يوم 15 ماي 1962 ، حيث كان في استقباله في مطار الربا-سلا ، المئات من مناضلي الحزب ، واستقبلوا هذه المرة ، ليس فقط عضو القيادة الحزبية ، بل أيضا رمزا من رموز مقاومة الاستعمار القديم والجديد على السواء ، واستقبال رجل أصبح له صيت عالمي. لكن الحزب الذي تركه بن بركة في يناير 1960 ، لم يعد نفس الحزب في ماي 1962، فقد تولد صراع قوي بين الجناح النقابي والسياسي وانفجر علنا منذ نهاية 1961.( أنظر الدراسة التي نشرناها في جريدة الأحداث المغربية في يناير 2003، تحت عنوان: ثنائية الحضور النقابي والسياسي في تاريخ الاتحاد الوطني / الاشتراكي للقوات الشعبية. مخطوط  ” أمراء النزعة  الانحرافية العمالية أو انحراف القيادة النقابية المغربية “وثيقة بخط عمر بنجلون كتبت في السجن بتاريخ شتنبر 1964)

لاشك أن انعقاد المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، وتقديم بن بركة لتقريره، الذي حمل في صيف 1965 ، اسم الاختيار الثوري، سيطرح أمام بن بركة ومرة أخرى ربط قضايا التنظيم بالمعارك السياسية الكبرى، وأن حضور النقابي بقوة داخل التنظيم السياسي يحد نوعا ما من الأهداف التي يمكن أن يحققها الاتحاد الوطني ، الذي أراده بن بركة إطارا سياسيا أكبر من خارطة المغرب ، بربطه بحركات التحرير العالمية آنذاك ، ويتجلى هذا المنظور في الخطاب الذي ألقاه في اجتماع لمؤتمري إقليم الرباط/سلا .

في مقدمة الاختيار الثوري الذي كان بن بركة ينوي نشره في دار الطليعة ببيروت ودار ماسبيرو بباريز ، كتب بن بركة في شهر يوليوز 1965 ، عن ظروف كتابة تقريره في ماي 1962 ما يلي :

” لقد كنا في شهر ماي 1962 – عندما قدمت هذا التقرير للكتابة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية –على وشك عقد المؤتمر الثاني للحزب ( 25-27 ماي 1962 ) ، وكنت بعد عودتي من إقامة اضطرارية في الخارج، أرى من الواجب أن أبدي لرفاقي خلاصة نقد ذاتي للمراحل التي قطعتها حركتنا من قبل ، مع بعض الخطوط الرئيسية لمهامنا في المستقبل . إن أي حركة سياسية تطمح في أن تكون حركة ثورية لا يمكنها أن تعيش وتنمو إذا هي لم تقم من حين لآخر بتحليل شامل وديناميكي للمجتمع الذي تعمل فيه حتى تستطيع أن تقرر خطتها على أسس علمية ، وأن تتنبأ إلى حد بعيد بأحداث المستقبل ، وقد كنا في حاجة إلى مثل هذا التحليل، ليس فقط لمناسبة شكلية هي انعقاد المؤتمر ، ولكن على الأخص لأننا كنا على أبواب تحول كبير في سير حركتنا التحريرية . والواقع أن مثل هذا التحليل هو ما يطالب به مناضلو الحزب عندما يلحون على قادته بالإفصاح عن برنامج ، وليس البرنامج هنا هو مجموعة التدابير التي يلتزم الحزب باتخاذها عندما يصل إلى الحكم ، بل هو الخط السياسي الذي يوضح معارك الماضي ، وما انطوت عليه من مظاهر النصر والفشل ويرسم ملامح المستقبل . لقد كانت تعترضني وأنا أكتب هذا التقرير عدة أسئلة حرصت على الإجابة عليها ، فكنت أتساءل : كيف يمكننا أن نعد مناضلي الحزب لمعارك المستقبل إذا لم نمكنهم من فهم التيارات التي وجهت الأحداث المعاصرة في بلادنا ، وإذا لم نشرح لهم المعنى الحقيقي للاستقلال ، والظروف التي تحقق فيها ، والأخطاء التي جعلت الحركة التحررية تحرم من مكاسب نضالها ؟ كيف نجعلهم يفهمون التردد الذي طبعت به خطواتنا الأولى بعد إعلان الاستقلال ، إذا لم نكشف لهم النقاب عن المعارك المريرة التي كنا نخوضها لتحقيق أتفه الإصلاحات في الحكومات التي كنا نساهم فيها ؟ وقد اقتنعت بأن العرض الموضوعي لأخطائنا ونقصنا في الماضي هو السبيل الوحيد لإعدادهم لمعارك المستقبل . ولم يكن من المتيسر في حدود هذا التقرير أن أقوم بتحليل نقدي شامل لحركة التحرر الوطني في المغرب ، ولا بعرض دقيق لنشاط الحكومات المتعاقبة بعد الاستقلال ، لكن كان المهم – بالنسبة للغرض من التقرير – الاعتماد على بعض الوقائع أو الأحداث الخاصة لإلقاء بعض الضوء ،مثلا على موقفنا من نقطة تحول هامة في تاريخنا، مثل  تسوية  إكس ليبان أو لشرح الأسباب الموضوعية والذاتية التي جعلت القيادة السياسية تفلت من أيدينا بينما كنا الأغلبية الساحقة في البلاد حتى نستخلص من كل ذلك العبرة لسلوكنا في المستقبل…” ( الاختيار الثوري.ص،1و 2 )

في شهر شتنبر  من نفس السنة توجه المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد إلى الاتحاد السوفياتي على رأس وفد حزبي . وفي شهر نوفمبر نظم مهرجان في الرباط للتضامن مع كوبا والجزائر ، ونبه بن بركة أمام جمهور الرباطيين ،إلى أن ” هناك مشاكل خطيرة ببلادنا لن يحلها دستور ينزل من السماء أو يطلع من الأرض. المهم هو كيف سنخرج الاستعمار من البلاد ، وكيف نستخرج مليون هكتار من يد المعمرين؟كيف سنحل مشاكلنا مع الاستعمار الجديد؟ كيف نضمن لبلادنا مكانتها اللائقة بها  في إفريقيا والعالم العربي وفي المحيط الدولي…” ( جبرو: المهدي بن بركة، المصدر السابق،ص،208)

في يوم  14 من شهر نوفمبر 1962، اجتمعت اللجنة المركزية للحزب بالدار البيضاء ، وأصدرت قرارا بمقاطعة الدستور ،” بعدما حللت الوضعية التي نشأت عن قرار الحكم المطلق بالقيام باستفتاء في موضوع دستور مصنوع، طبخ في الخفاء وبمساعدة فنيين أجانب في خدمة الاستعمار القديم والجديد. وبعدما درست النتائج التي ستنجم من هذه العملية المزدوجة سواء على الصعيد الوطني أو بالنسبة لمجموع المغرب العربي، تنبه ( اللجنة المركزية) إلى أن ما يسمى بالاستفتاء في نطاق نظام الحكم الفردي الإقطاعي القائم منذ سنة 1960، إنما هو عملية منافية من أساسها للديمقراطية وشكل من أشكال الاختلاس السياسي . إن الحكم المطلق الذي استحوذ منذ ماي 1960 على الشؤون المالية والاقتصادية وسيطر على الجيش والشرطة وإدارة الشؤون الخارجية والداخلية جاد في تجنيد كل هذه الوسائل للضغط على الشعب المغربي حتى يتأكد سلفا من نجاح العملية……” ( من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد لاشتراكي 1959-1974. وثائق – دار النشر المغربية. ص،42 ) .

أصدرت الكتابة العامة في اليوم الموالي بيانا حول الحيثيات العملية لقرار اللجنة المركزية حول مقاطعة الاستفتاء  . وجاء الجواب سريعا على بيان اللجنة المركزية في شكل محاولة الاغتيال التي تعرض لها بن بركة يوم 16 نوفمبر ، بين الصخيرات و بوزنيقة ، حينما كان متوجها إلى الدار البيضاء رفقة المهدي العلوي. أصيب بن بركة في عموده الفقري ، ونقل إلى ألمانيا لمواصلة العلاج. ورغم مرضه فقد كتب  مقالا ، نشر في التحرير يوم إجراء الاستفتاء ، كان بمثابة محاكمة “للنظام”. كان أيضا من الأجوبة على موقف الاتحاد الوطني من دستور 1962، تفجير قنبلة في مطبعة جريدة التحرير.

في يوم 18 نوفمبر 1962 ، القي نص الدستور على أمواج الإذاعة، وحدد يوم 7  دجنبر 1962 لإجرائه.

رغم الإصابة في عموده الفقري ، سافر بن بركة إلى تنزانيا ليشارك في مؤتمر منظمة التضامن الإفريقي الآسيوي ، الذي انعقد في الأسبوع الأول من شهر فبراير 1963 .

بعد وفاة محمد بن عبد الكريم الخطابي، نظم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مهرجانات في عدة مدن مغربية تأبينا للزعيم المغربي، وخطب بن بركة في مهرجان فاس ، منوها بتاريخ محمد بن عبد الكريم قائلا:

“لقد نجح محمد بن عبد الكريم الخطابي في تنظيم ثورة لو كتب لها النجاح لكانت من أعظم ثورات العصر. لقد خلق هذه الثورة من لاشيء، ونجح في ضمان الاستمرار لها أكثر من أربع سنوات كانت كلها حروبا ومعارك طاحنة، حقق خلالها أروع الانتصارات، وما ذلك إلا لأن ابن عبد الكريم كان يؤمن بالشعب، واثقا به، فلم يكن مستبدا و لا إقطاعيا…” 5 جبرو ، المصدر السابق .ص،221)

شكلت سنة 1963 زمنا صعبا في البيت السياسي المغربي ، استعملت فيه بعض القيادات الاتحادية خطابا قويا ضد حملات القمع الموجهة ضد الحزب من طرف ” النظام ” و” الحكم الفردي” . من أهم هذه الخطابات، الاستجواب الذي أجرته مجلة جون أفريك مع المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد ، في عدد 8-14 أبريل 1963 ، وجاء هذا الاستجواب مباشرة بعد قيام جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، التي أسسها رضى اكديرة وعبد الكريم الخطيب وأحمد العلوي والمحجوبي أحرضان وآخرون.، وأكد بن بركة وبوعبيد : ” أن الخصم الحقيقي هو الذي يرفض أن يقوم بالمهمة التي أسندت له، أي الحكم الذي يجب أن يسمو فوق الأحزاب، والذي تحول إلى زعيم لتحالف المصالح، إننا نتحدث عن الملك، واكديرة ليس إلا ظله، وليس له وجود سياسي حقيقي ، اللهم إلا التعبير بوفاء عن آراء سيده”.

رغم الجو المتوتر بين قيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والقصر ،أصدرت الكتابة العامة يوم 2 ماي 1963 بيانا “إلى الشعب المغربي حول انتخابات مجلس النواب ” – التي جرت يوم 17 ماي –  وقرر الاتحاد الوطني المشاركة فيها ” لنسف المؤسسات المزورة من الداخل “، وفاز فيها بن بركة بمقعد في دائرة يعقوب المنصور بالرباط.

لكن انشغالات المهدي بن بركة والتزاماته الخارجية والصراع النقابي السياسي داخل الحزب حتمت عليه العودة إلى الخارج ، كان ذلك يوم 15 يونيو 1963. عرج على بيت عبد الرحيم بوعبيد ليودعه قبل سفره ، وكان هذا آخر سفر له قبل اغتياله في سنة 1965.

كانت عدة أطراف غير راضية عن الموقع الذي بدأ يحتله الاتحاد الوطني في المعارضة ، خصوصا بعد تكوين ” فريق برلماني مناضل ” ، وتم توظيف محاولة بعض المناضلين داخل الاتحاد الوطني،  سواء كانوا في القاعدة أو في القيادة،  التفكير في القيام بثورة مسلحة، لتدبير فخ للحزب أطلق عليه “مؤامرة 16 يوليوز” ، فاستغل اجتماع موسع للجنة المركزية للحزب يوم 16 يوليوز بالدار البيضاء لإعلان وجود مؤامرة ضد النظام ، وتم اعتقال كل الحاضرين في الاجتماع ، لتعم الاعتقالات بعد ذلك كل أرجاء المغرب ، فقد أعلن الحزب مقاطعته للانتخابات الجماعية. كانت حمولة البيان الذي صدر عن اللجنة المركزية، يوم 16 يوليوز 1963، قوية تجاه “النظام”:

” اجتمع في مقر الكتابة  العامة يوم الثلاثاء 16 يوليوز أعضاء اللجنة المركزية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية  و المندوبون عن الأقاليم والفروع و كذلك النواب المنتخبون . وكان موضوع الاجتماع يتضمن على الأخص دراسة الحالة الخطيرة التي توجد عليها البلاد اليوم أثناء الحملة الانتخابية من أجل انتخاب المجالس البلدية والقروية الجارية الآن. وبعد الإنصات إلى العروض المفصلة التي قدمها مندوبو الأقاليم والفروع وكذلك النواب المنتخبون في البرلمان وتحليل الوضع تحليلا دقيقا لاحظ الحاضرون بالإجماع :

1)         أن تصرفات السلطة البوليسية والإدارية في سائر أنحاء المغرب بأمر من الحكم المطلق نفسه ترمي إلى خلق جو من الرعب والقمع والتهديد والارتشاء لإنجاح الجبهة الملكية في الانتخابات المقبلة…

2)         أن تصرفات الحكم المطلق بواسطة إدارته المركزية والمحلية وبواسطة عصاباته يرمي في الحقيقة إلى فرض دكتاتورية شاملة معتمدة على الإرهاب والتعذيب والارتشاء وإلى تمركز الحزب الوحيد…

3)         أن تصرفات الحكم المطلق وأعوانه تفيد عمليا وموضوعيا أن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أصبح حزبا غير معترف به ترفض الإدارة أن تتعامل معه على أساس منظمة سياسية معترف بها….

ونظرا لهذه الاعتبارات ولغيرها فإن اللجنة المركزية للاتحاد الوطني وكذلك المندوبين عن الأقاليم والنواب في البرلمان يرون أن المشاركة في الانتخابات المقبلة لم يبق لها أي معنى ولا أي مدلول، لأن تصرفات الحكم المطلق تعدت كل الحدود في الجور والوقاحة واللامشروعية، (…) لذلك فإن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية قرر:

1: أن تسحب كل الترشيحات التي قدمت لحد الساعة باسم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية …

2: أن تبدل كل المساعي والجهود لدى المنظمات التقدمية أو الوطنية لمقاطعة الحكم ومحاربة أعوانه المارقين أثناء هذه الحملة الانتخابية .

وحرر بالبيضاء في 16/7/1963 ، على الساعة الثامنة عندما كان مقر الكتابة مطوقا بقوات البوليس والجيش.  ” ( من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي : 1959- 1974. وثائق . الدار البيضاء .ص ص.49-51) .

كان المهدي بن بركة  آنذاك موجودا بالخارج ، في مهمة رأب الصدع الذي حصل بين مصر وسوريا ، كانت علاقاته جيدة مع جمال عبد الناصر ،في الوقت الذي تربطه زمالة خاصة مع قيادة البعث السوري، وهذا الموقع في العلاقات السورية المصرية إلى جانب محاربته للصهيونية في إفريقيا، قد يفسر مشاركة أجهزة إسرائيليية في عملية الاغتيال. شن المهدي بن بركة إبان تحركاته في الخارج حملة قوية ضد الحضور الإسرائيلي في إفريقيا ، وكان منبر المؤتمر الأفرو آسيوي ، إطارا يفضح فيه بن بركة سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين ، القائمة على اغتصاب الأرض وحرمان شعب بكامله في حقه في الوجود ، في الوقت الذي كان فيه التسرب الإسرائيلي في إفريقيا وآسيا منبنيا على المساعدات التقنية والعسكرية. .في هذا الإطار قدم بن بركة، في الندوة التي نظمت في القاهرة يوم 5 أبريل 1965 ، عرضا حول : ” إسرائيل والتغلغل الصهيوني في إفريقيا ” فضح فيه سياسة إسرائيل الحقيقية في القارة السمراء.

بعد اعتقالات يوليوز 1963 ، بقي بن بركة في الخارج ، لأن رأسه كانت مطلوبة بقوة، ويتجلى ذلك من خلال مجريات محاكمة الرباط في 1964، وسيكون نصيبه من المحاكمة ، الإعدام ، وهو الثاني بعد أن حكمت عليه محكمة عسكرية في خريف 1963، حكما مماثلا ، لأنه اتخذ موقفا مناهضا للحرب التي قامت بين المغرب والجزائر .

انعقد في ماي 1965 المؤتمر الرابع لمنظمة التضامن الأفروآسيوي، وانتخب بن بركة منسقا للجنة التحضيرية لمؤتمر القارات الثلاث، والذي كان مقررا أن ينعقد في يناير 1966 بهافانا.

كان أول حدث وصدمة بالنسبة لبن بركة يتمثل في الانقلاب الذي وقع في الجزائر في يونيو1965 ، كان الرجل في جلسة عائلية بشاطئ الإسكندرية بمصر حين سمع الخبر ، لكن حسه السياسي تغلب على عواطفه تجاه بن بلة ، فأرسل برقية إلى القيادة الجديدة ، يعلن فيها تأييده للانقلاب ، وهي البرقية التي كانت موضوع جدال بينه وبين عدد من المقاومين ، الذين كانت تربطهم وبن بلة علاقات متينة، ورفضوا بكل قوة تأييد الانقلاب الذي أطاح برفيقهم بن بلة . كان بن بركة من وراء برقية التأييد هذه يرمي إلى الحفاظ على الجزائر كقاعدة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، بحكم وجود مئات من المناضلين ، خاصة أعضاء المقاومة وجيش التحرير ، الذين لجأوا إلى الجزائر غداة “المؤامرات”، التي “اكشتفتها” ألأجهزة الأمنية منذ 1960. كان بن بركة أيضا واعيا أن انقلاب  يونيو لم يكن بريئا ، فالجزائر كانت قاعدة لجل حركات التحرر الوطني الإفريقية ، بعدما كانت قبل ذلك مستقرة بالمغرب ، إلا أنها انسحبت منه بعد التحول السياسي الذي عرفه المغرب في 1960، وأن النفوذ الصيني و السوفياتي بدأ يتعاظم في القارة السمراء ، إضافة إلى الحضور القوي للكوبيين فيها. هذه المعطيات كلها كانت تشكل خطرا على المصالح الاستراتيجية الفرنسية بصفة خاصة ، وتؤثر أيضا في ما كان يعرف سابقا بالحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي .

كان هم بن بركة في صيف 1965 ، منصبا حول الإعداد لمؤتمر القارات الثلاث ، ولذلك كان يتنقل باستمرار بين العواصم العالمية ، وهذا ما جعل مهمة أولئك الذين كانوا يعدون العدة لاغتياله ، صعبة ، خصوصا وأن رأسه أصبحت مطلوبة من أطراف عدة داخلية وخارجية.

في شهر يوليوز 1965 انتهت المفاوضات بين القصر وقيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى الباب المسدود، بعدما أشعلت الفترة الممتدة بين أبريل ويونيو أملا في فك الأزمة السياسية التي أعقبت “انتفاضة” الدار البيضاء ، بالمشاركة في حكومة وحدة وطنية ،خصوصا بعد إطلاق سراح محمد الفقيه البصري وعمر بن جلون ومومن الديوري وعدد مهم من مناضلي الحزب. أفضى النقاش  داخل البيت الاتحادي إلى القبول في الدخول إلى حكومة وطنية لكن بعد إجراء الانتخابات ، وأعلن الملك في يونيو حالة الاستثناء ، لتتطور الأمور إلى قطيعة في الحوار.

شكلت أحداث مارس 1965 منعطفا خطيرا في تاريخ المغرب بالخصوص والمغرب العربي بصفة خاصة ، فلأول مرة منذ استقلال المغرب ، تخرج جماهير الدار البيضاء إلى الشارع في انتفاضة عنيفة ، ووجهت بعنف أقوى أدى إلى سقوط ضحايا ، انتفاضة جاءت نتيجة الاحتقان الذي عرفه المجتمع المغربي منذ 1960 ، وأعادت الاعتبار إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية كقوة سياسية لا محيد عنها. أحداث الدار البيضاء كانت مصدر رسم لاستراتيجيات جديدة ليس داخل المغرب فقط بل خارجه بالخصوص، فالمصالح الفرنسية والأمريكية لن تسمح في تحول داخلي قد يعصف بمصالحها الاستراتيجية في المنطقة. وانطلاقا من منطق تسلسل الأحداث ، يبدو أن أي تقارب بين القصر والاتحاد الوطني لن يخدم الأهداف الاستراتيجية لهذه القوى جميعها ، ولذلك نعتقد أن منحى الأحداث التي ستقع فيما بعد داخل المغرب أو في محيطه( الجزائر و فرنسا) سيكون منطلقها الزمني أحداث الدار البيضاء . وبناء على هذا سعت أطراف مغربية عدة إلى نسف التقارب الذي حصل بين القصر والاتحاد الوطني ، فأشاعت خلال شهري أبريل وماي 1965، أن اتفاقا سريا أبرم بين الملك والاتحاد الوطني ، الذي سيشارك في الحكومة مقابل الإفراج عن المعتقلين . لكن الاتحاد أصدر شبه مذكرة رسمية في غشت  1965 ، تحت عنوان ، ” خطتنا: الوفاء للشعب وللمبادئ الديمقراطية والاشتراكية “، يحدد فيها مسار المفاوضات وشروط المشاركة في الحكومة  بعد أحداث مارس  1965 ، وجاء في هذه المذكرة أنه رغم  ” الحالة المتدهورة والخطيرة التي توجد عليها البلاد، فإن الاتحاد الوطني مستعد لتحمل مسؤولياته الوطنية أمام الشعب ، على شرط أن تترك له الوسائل الضرورية لتطبيق برنامج الإنقاذ ، وعلى شرط أن تكون حكومة منسجمة في الأشخاص والبرنامج . هذا هو الموقف الذي عبر عنه الاتحاد بصفة رسمية أثناء المقابلة الأولى وهذا هو الموقف الذي تمسك به خلال المقابلة الرسمية الثانية حين قدم مذكرة ، جوابا عن مذكرة الملك” . ( من الاتحاد الوطني ، المصدر  السابق . ص . 61 )

حكى عبد الرحمان اليوسفي أمام محكمة الجنايات في باريس شهادته على هذه المرحلة الممتدة  من أبريل إلى يونيو 1965 . اعتمد اليوسفي في بداية شهادته على  التذكير بجملتين ترددتا في جنبات المحكمة ، ويتعلق الأمر بالموعد السياسي والسياق السياسي . ذكر اليوسفي أنه عضو الكتابة العامة للاتحاد الوطني وأنه شارك في المفاوضات الجارية بين الحزب و “الحكم” ، كما أنه كان مكلفا بالتنسيق بين بن بركة الموجود في المنفى وباقي أعضاء الكتابة العامة. وأضاف اليوسفي ( الترجمة): ” أعتقد أنه باستطاعتي التوضيح وبشكل كاف للمحكمة ، هذا السياق السياسي والموعد السياسي ” . وأضاف أنه إذا كان هذا الساق السياقي ينحصر بين مارس وأكتوبر(1965) ، فيجب توسيعه إلى العشر سنوات الأولى للاستقلال  (  1955-1965) ، وخلص اليوسفي إلى ” أن هناك ظاهرة ثابتة في هذا العقد ، وهي أنه كلما عبر الشعب المغربي عن معارضته لسياسة الحكم وانخراطه في مواقف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، وإلا نزل القمع على منظمتنا وعلى قيادتها وبالخصوص على المهدي بن بركة …” ، وأنه بعد   ” انتخابات ماي 1963 ، كانت النتيجة هي ” مؤامرة ” يوليوز 1963، والتي اتهمت فيها ، وإذا كان لي الامتياز بالمثول أمامكم ، يجب أن أقول أن ذلك بفضل الرأي العام العالمي والرأي العام الفرنسي، الذي ساعدني على الخروج من زنزانتي، وأستغل هذه المناسبة لأشكره على ذلك”.

( على إثر الاعتقالات التي مست قواعد وقيادات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، شن المهدي بن بركة بمعية محمد اليازغي حملة عالمية لمساندة المعتقلين وهيئة الدفاع بالداخل ، والتي كان ينسق أعمالها عبد الرحيم بوعبيد . أنظر                Le procès de Rabat. Document n°3 –Paris .1964 )

واقتطف اليوسفي أحداث الدار البيضاء في مارس 1965 ، للدخول في موضوع الاختطاف ، وأن هذه الأحداث كانت أهم الاهتزازات التي عرفها المغرب في مرحلة استقلاله ، وأن ” الحكم” استدعى عبد الرحيم بوعبيد لمناقشة الوضع السياسي بالبلاد ، كما أن السفير المغربي اتصل بالمهدي بن بركة – للنقاش حول الأزمة السياسية بالمغرب- . أضاف اليوسفي في تصريحه أمام المحكمة :

” يوم 13 أريل ،أعلن رئيس الدولة المغربية في خطاب، العفو العام. في 20 أبريل وزع القصر الملكي على الأحزاب السياسية و المنظمات النقابية مذكرة تحمل برنامجا ( سياسيا) . في 21 أبريل ، وهذا لم نعرفه في حينه، كان محمد أوفقير يعد ، مع أصدقائه الفرنسيين في غرفة ب”كريون” ، لاختطاف بن بركة. في يوم 25 أبريل تم لقاء بين بن بركة و السفير مولاي علي ، قريب الملك، بمنزل أخ المهدي ، عبد القادر ، بفرانكفورت(…) كنت صحبة المهدي قبل لقاءه مع مولاي علي ،ورأيت المهدي بعد هذا الموعد. كنت عضو اللجنة التي اتصلت بالملك يوم 19 ماي. عندما مثلنا أمام جلالته، شكرناه – على العفو العام الذي أصدره – (…) واعتبرنا أن هذا العمل كفيل لانفراج الجو السياسي بالمغرب ، ويفتح الطريق نحو تعاون كل القوى السياسية ..” .

تابع اليوسفي في تصريحه للمحكمة بأن الملك تسائل عن مغزى عدم استجابة المهدي بن بركة على اقتراحه ، وهل توجس من فخ ؟ وأن اليوسفي هو الذي أجاب على تساؤل الملك بأن السفير قد أخبره بأن بن بركة يقبل بالرجوع إلى المغرب ، وعندما تسمح له التزاماته الخارجية ، سيلتحق بالمغرب، وأضاف اليوسفي : ” إذا ألحت جلالتكم على دخوله ( بن بركة) غدا، نحن مستعدين لإعادة النظر في الأمر”،( هناك رواية أخرى تقول إن صاحب هذه الإجابة هو عبد الرحيم بوعبيد، الذي قاد وفد الاتحاد في مذاكراته مع الملك). فأجاب العاهل : ” بما أنه لم يدخل في الوقت الذي طلبت منه ذلك ، الآن لا أهمية لذلك” ، وخلال هذا اللقاء التاريخي ، قال لنا جلا لته شيئا بقي لاصقا في ذاكرتي ، قال : ” السياسة تشرح بالرموز”. (…). ابتداء من شهر يوليوز لم نعد نجهل، لا نحن ولا لأي مراقب حسن النية، أن جو الانفراج الذي نتج عن العفو، تبدد بسرعة، لوجود قوى رجعية داخل البلاد تعارض هذا الحل. ابتداء من شهر يوليوز، بدت الوضعية في  التتدهور:

1-     أولا لم يطبق العفو العام ، حيث أن عددا من المعتقلين، المفروض أن يكونوا أحرار لم يطلق سراحهم ، ولم ينشر نص قانون العفو العام ( تقول روايات أن بن بركة وضع نشر نص قانون العفو العام شرطا لدخوله المغرب ) ، وبدأ القمع يتوسع داخل المغرب.

2-     وقعت حادثة غريبة في السفارة المغربية في بيروت، تحدثت عنها الصحافة العالمية ، وقد ذكر اسم المهدي بن بركة فيها ، يتعلق الأمر باحتجاز رجل ، تخلص من التعذيب الذي كان يتعرض له بالقفز من نافذة السفارة….

3-     هناك إشارة أخرى  فقد أدلى وزير الخارجية المغربي إلى أحد الدبلوماسيين، أن المغرب قد أجل إرسال سفيره إلى كوبا، بسبب الاستقبال ( الحار ) الذي يلقاه بن بركة من لدن السلطات الكوبية، وأن المغرب دخل في محادثات مع دولة أخرى للبحث عن حل بديل لتموينه بالسكر.

4-       تعرض مدير يومية بالدار البيضاء إلى معاملة سيئة لأنه نشر اسم المهدي بن بركة وتحدث عن نشاطه كرئيس للجنة التحضيرية لمؤتمر القارات الثلاث .

5-     تنشر جرائدنا يوميا تفاصيل القمع المسلط على مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية….” (Affaire Ben Barka Témoignages et documents- U.S.F.P. France-1975)

نجد أيضا نصا كتب في نفس السياق الزمني الذي تحدث عنه عبد الرحمان اليوسفي ، يتعلق الأمر بالمقدمة التي وضعها المهدي بن بركة لتقريره “الاختيار الثوري” ، والتي كتبها في يوليوز 1965، و تحمل خطاب القطيعة مع النظام السياسي المغربي، فاستعمل كل الألفاظ والمعاني للتعبير عن هذه القطيعة . رغم أنه أبقى الباب مفتوحا، في نهاية المقدمة ، حول حلول سياسية للأزمة ، إلا أنه يظهر أن المهدي بن بركة أصبح شخصية أخرى غير تلك التي خرجت من مطار الرباط/سلا  في 15 يونيو 1963 . أصبح يطالب بحل سياسي، في إطار رؤيته ومكانته الجديدة كزعيم لحركات التحرر العالمية، وذلك باتباع الخط التقدمي والأسلوب غير الرأسمالي ، وأن ” التسوية الممكنة مع القصر” تمر عبر ” تحقيق ديمقراطية سليمة ، وتطبيق إصلاح زراعي جذري ، والسهر على سياسة تضامن كلي مع النظم الثورية في البلاد العربية والإفريقية ، وأن هذه الشروط – التي هي بمثابة التزامات يجب أن يراقب احترامها كل يوم – ما تزال قائمة في الوقت الراهن (…) وأن هدفنا الأقصى لا يمكن أن يكون إلا بناء المجتمع الاشتراكي في المغرب “ . ( الاختيار الثوري . ص.4 و 5 ) .

إن هذه المقدمة تبرز وحدها أن قصة الحوار والمفاوضات من أجل العودة، والتي تبنتها  روايات عدة ،من بينها رواية البخاري، قد انقطعت كليا في شهر يوليوز ، إذ كتب بن بركة في هذا الشهر ما يلي :

” ولو بعد مرور ثلاث سنوات ، فإنني ما زلت أعتبر عناصر هذا التقرير ما تزال مسايرة لتطور الأحداث في المغرب وفي إفريقيا ، كما أن الصورة التي ترسمها هذه العناصر لمهامنا الأساسية ، ولاختياراتنا الثورية ما تزال تستجيب للأوضاع الراهنة في بلادنا وقد كنا في إطار هذا الاختيار الثوري ، قد وضعنا أسس برنامج أدنى لمهامنا المستعجلة بالنسبة لظروف سنة 1962 ، عندما كان القصر يستعد لأن ” يمنح ” البلاد دستوره الرجعي المصنوع في مخابر الاستعمار الجديد ، وكنا إذ ذاك نفكر في احتمال الوصول إلى تسوية مع القصر لحماية البلاد من الانزلاق نحو هاوية الإفلاس والتفسخ ، وفعلا فقد قرر المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية إعطاء الصلاحيات لأجهزة الاتحاد المختصة لكي تعمل على إخراج البلاد من المأزق الذي زجها فيه الحكم الملكي المطلق . ولكن بقيت محاولتنا بدون جواب . فلقد كان القصر يعتقد أنه يستطيع  إنقاذ نفسه بسلوك سياسية ديماغوجية رخيصة ، في جو من الحفلات المتواصلة ، ووسط ضجيج الدعاية لمشاريع خيالية تموت قبل ولادتها  (…) وها هو اليوم يواجه حالة جديدة ، فإن مشاريع الحكومة قد انتابها الفشل ، وسياسة التصلب الرجعي قد أفلست ، والمسؤولين لا يزالون في ضلالهم ينسبون هذا الفشل لشتى الأسباب ما عدا السبب الحقيقي الذي هو انقطاعهم عن الشعب انقطاعا  ظل يستفحل مع الأيام (…) نعم لقد اعترف خطاب العرش يوم 3 مارس 1965 بهذا الفشل ، ولكنه لم يستخلص منه النتيجة المطلوبة ، بل ذهب يبحث عنه في تعاقب الفصول وطباع البشر ، ووقع الانفجار الشعبي يوم 23 مارس 1965 ، فاضطر الحسن الثاني للاعتراف بخطورة الحالة وتوقيف دولة الديمقراطية المزيفة (…) فعندما تصبح الانتخابات مزورة ، وحريات الاجتماع معدومة  ، والصحافة مكممة ، والمخلصون المعبرون عن مطامح الشعب يطاردون و محكوما عليهم بالإعدام أو السجن ، أو مفقودين بالمرة فكيف يجوز لرئيس الدولة أن يستغرب من التجاء الشعب للوسائل المباشرة ليسمع صوته ؟ وعندما تغدو الدولة والإدارة شيئا فشيئا ملك الأقلية من ذوي الامتيازات (…) أما المسؤولية المباشرة فينبغي البحث عنها عند أولئك الذين تسلطوا على الحكم مند سنة 1960 ، لقد أرغموا الشعب على التصفيق بوسائل القسر أو بإغراء البائسين ، وجعلوا من التصفيقات أساسا للحكم ، لكن الحقيقة تنتقم من التزوير ، والحقيقة قد انكشفت فجأة للعيان (…) مند سنة 1962 انعزل الحكم شيئا فشيئا عن الشعب ، بعد عمليات القمع المتوالية ، حتى تضاءلت قاعدته الاجتماعية ، فأصبح قائما على أقلية إقطاعية تتمثل في الإدارة المحلية وفي الأغلبية البرلمانية المزورة الفاشلة ، وتحكم البلاد عن طريق أجهزة المخابرات البوليسية والعسكرية  المسيطرة على سائر مرافق الحياة ، على السند الفعلي للنظام يأتي من الخارج ، من القوة الإمبريالية والاستعمارية الجديدة التي نجحت في دفع الحكم القائم لأن يتخلى في الداخل حتى عن البورجوازية التجارية …” ( الاختيار الثوري ص. 2 و3 و 4 )

إن  الخطاب الوارد في مقدمة الاختيار الثوري يرسم مفترق الطرق ، ويمس في العمق عددا من المصالح السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية ، وأن أي حوار بعد هذا التاريخ لن يكون له معنى في ظل الشروط التي وضعها بن بركة لإقامة تصالح وطني ، خصوصا في ظروف حالة الاستثناء المعلن عنها في  يونيو 1965.

بداية العد العكسي لعمليات اغتيال المهدي بن بركة

لاشك أنه منذ أصبح المهدي بن بركة منسقا للجنة التحضيرية لمؤتمر القارات الثلاث ، ومنذ أن أصبح يلعب دورا في السياسة الإفريقية ، وفي الشرق العربي ، كانت أكثر من جهة تتمنى اختفائه من المسرح السياسي العالمي بطريقة “أرثوذوكسية” أو غير “أرثوذوكسية” . كان من الممكن لهذه الجهات أن تدبر و بسهولة عملية الاغتيال في أي مكان ، لكن يظهر أن خطة وضعت من لدن أجهزة فرنسية لتنفيذ عملية الاختطاف بواسطة أيادي مغربية وفرنسية ومساعدة  تقنية أمريكية إسرائيلية ، بطريقة تبرز ظاهريا أن الطرف المغربي قد جند عملاء داخل جهاز الشرطة والمخابرات الفرنسية لاختطاف الرجل ، الذي يجب أن ينقل إلى المغرب ، لأن المسألة بالنسبة للمخططين يجب أن ينتهي أمر بن بركة في المغرب. وكما سنلاحظ من خلال الوثائق التي تم الكشف عنها في المحاكمة أو من خلال الفاعلين في هذه القضية ، يظهر وكأن بعض المصالح داخل جهازي الشرطة والمخابرات الفرنسية والطرف المغربي ،قد سقطت في خطة جد محكمة. كانت أجوبة بعض المتهمين أمام المحكمة ، توحي بوجود آلة ضخمة وراء عملية الاختطاف ، ولا أحد يستطيع تعدي الخط المرسوم له.والعنصر الذي أعطى للسانه حرية ما ، ويتعلق الأمر بفيكون ، لقي مصرعه ، في يناير 1966.

مسؤولية مصالح المخابرات الفرنسيةS.D.E.C.E في عملية اغتيال بن بركة.

الوثيقة الأولى :

كشفت ” التحقيقات ” داخل جهاز المخابرات الفرنسية غداة اختطاف بن بركة ، أن هذه المصالح كانت على علم بين من محاولات التقرب التي بدأ الجانب المغربي يخطط لها ، ويعود تاريخ أول تقرير حول الموضوع إلى يوم 30 أبريل 1965: يقول التقرير ما ترجمته :

” كلف الجنرال أوفقير ، وزير الداخلية المغربي، والذي وصل باريس يوم 21 أبريل (1965) بربط اتصال مع المهدي بن بركة في محاولة لإقناعه العودة إلى المغرب مع رفاقه، فقد قرر الحسن الثاني ، بالفعل رفع مسطرة العقوبة التي اتخذت في حق زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”.

كشف هذا التقرير الكولونيل بومون ، يوم 7/10/1966 ، إبان المحاكمة الأولى، تحت إلحاح الطرف المدني ، بعد أن تعرض بومون لوابل من أسئلة الدفاع، وصرح بأن هذه المعلومات ( وصول اوفقير باريس يوم 21أبريل) تمت معالجتها والتأكد منها بشكل جيد، وانه تم الاتصال بمصالح لوروا للتحري حول الموضوع ، وأكدت إمكانية مصداقية المعلومات حول موضوع الاتصال.

انطلاقا من هذه المعطيات ، كشف عن تفاصيل أخرى أدلى بها فليب برنيي ( عضو الفريق السينمائي / الفخ ) في بداية التحقيق عن اختطاف بن بركة ، فقد ذكر أن ” الشتوكي   ( حسب الروايات الأخيرة يتعلق الأمر بميلود التونزي) ،أخبره أن شخصيات مغربية كبيرة ، تحمل أموالا مهمة من أجل ” وضع اليد” على بن بركة(…) وأن الجنرال أوفقير جاء إلى باريس بغرض تجنيد رجال للقيام بهذه المهمة، وأن اجتماعا انعقد بفندق كريون ( 21 أبريل 1965)، وحضر إلى جانب الجنرال المغربي شخصيات فرنسية. فهل هذه الشخصيات الفرنسية هي الجهات التي لم تكشف أسماؤها إبان ” التحقيق ” والمحاكمة ؟

الوثيقة الثانية

توجد وثيقة أخرى صادرة عن الاستعلامات العامة التابعة للأمن الوطني الفرنسي ، ويتمحور موضوعها حول ما نقل عن أوفقير بشأن التقرب من بن بركة لاختطافه. تقول الوثيقة:

Procéder aux premiers sondages en vue d’un projet d’enlèvement de Ben Barka.

وسيبقى هذا الاجتماع الأول الذي انعقد بباريس لغزا إلى يومنا هذا ، بخصوص أسماء الشخصيات الفرنسية التي حضرت هذا الاجتماع ، وكان الجانب المغربي يهدد بطريقة غير مباشرة كلما طرح ملف بن بركة ، عندما كان يطلب من فرنسا تسليم المغرب البحث الذي أنجز حول الموضوع ، أي أن هناك  رغبة من الجانب الفرنسي في عدم ذكر أسماء الشخصيات الفرنسية المشاركة بشكل أو بآخر في عملية اختطاف بن بركة.وقد تنبه إلى هذا الجنب دفاع الطرف المدني أثناء المحاكمة ، إذ طرح المحامي ستيب عددا من الأسئلة على الجنرال كيبو رئيس مصالح المخابرات الفرنسية ، مرتبطة بأسماء الشخصيات الفرنسية التي أوكل إليها أوفقير مشروعه حول ” التقرب ” من بن بركة ، فأجاب الجنرال كيبو بأنه إذا كشف عن هذه الأسماء سيخرق سر الدفاع الوطني ، ورغم تشجيع رئيس المحكمة للجنرال بالحديث حول الموضوع لأن سر الدفاع الوطني قد رفع في قضية بن بركة ، فإنه رغم كل هذا لم يكشف الجنرال كيبو أي شيء عن أسماء الشخصيات الفرنسية. هذه النقطة بالذات ارتكز إليها رؤوف أوفقير( ومن معه) في كتابه الصادر مؤخرا تحت عنوان: ” الضيوف” ، فهو يشير إلى أن أطرافا متعددة شاركت في عملية الاختطاف والاغتيال، وأن أوفقير لم يكن إلا مشجبا. لم يستطع وزير الجيوش الفرنسي أيضا أن يدلي بأسماء الشخصيات الفرنسية التي شاركت في اجتماع 21 أبريل 1965 . فهل يتعلق الأمر بشخصيات عملت على تسهيل وتغطية تحرك العناصر المغربية والفرنسية التي نفذت عملية الاغتيال. إنما الشيء الأكيد أن مصالح المخابرات الفرنسية لم تنقل المعلومات الواردة في تقرير 30 أبريل إلى مصالح الأمن الفرنسية.

الوثيقة الثالثة : تقرير 17 ماي 1965:

قام لوبيز، بين 8 و 10 ماي، بزيارة إلى المغرب،(في ضيافة أوفقير) ، ومباشرة بعد عودته، أخبر لوروا-فينفيل  بمجريات ما دار بينه وبين أوفقير، حيث أسر له بمشروعه في ” استرداد” بن بركة بطريقة غير أرثوذوكسية، ورغم أن لوبيز حاول أثناء المحاكمة أن يشرح بأن الأمر يتعلق “باسترجاع” لبن بركة وفق الطرق القانونية، وإذا لم يتم رجوع بن بركة بالطرق الرسمية أو الدبلوماسية، يتعين حينئذ تجربة طرق أخرى.أثناء التحقيق كشف فليب بيرنيي ، ونقلا عن “الشتوكي” ، بأن الأمر يتعلق باختطاف بن بركة وحمله إلى المغرب.

في هذا الزمن الذي بدأت فيه العمليات الأولى التمهيدية لما وقع يوم 29 أكتوبر 1965 ، كان بن بركة مقيما بالجزائر لتحضير المؤتمر الأفرو أسيوي، والذي كان منتظرا عقده أواخر شهر يونيو 1965 بالجزائر العاصمة. جرى أثناء ذلك لقاء بين الملك الحسن الثاني وبن بلة لقاء في السعيدية ، يوم 16 ماي 1965 ، و نقل لوبيز عن الجنرال أوفقير ، الذي حضر اللقاء ، أن الرئيس الجزائري بن بلة اقترح على الملك طرد بن بركة من الأراضي الجزائرية، وأنه طلب مقابلا لذلك ، لكن أوفقير أردف أن بن بلة كان فقط يناور محاوريه . ويمكن ربط هذه المعلومات إن كانت صحيحة بما صرح به فليب برنيي ، من أن الشتوكي أسر له بخطة كانت قائمة لاختطاف بن بركة أثناء انعقاد المؤتمر الأفرو آسيوي .

في نفس السياق كتب لوبيز في تقريره ، أن أوفقير قبل أن يدخل في تنفيذ مشروعه كان ينتظر نتائج تصريح الملك حول حكومة وحدة وطنية، ولاحظ أن هذا الموقف خلق انشقاقا في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، بين مؤيد ورافض للمشاركة في حكومة وحدة وطنية، وأن الطرف الرافض كان يفضل أن يبقى في المنفى لإسقاط النظام.

حرر لوروا فينفيل يوم 17 ماي ورقة حول المعلومات الواردة في تقارير لوبيز ، وهي الورقة التي رفضت أوساط الفرنسية في البداية الإدلاء بها إلى المحكمة، في حين صرح بومون، وهو رئيس للوروا، أن لا علم له بها.

كان لوبيز على أهبة السفر مرة أخرى إلى المغرب ، فزوده لوروا باستمارة متمحورة حول موضوع “استرجاع” بن بركة ، وهي استمارة تم وضعها من لدن الشعبة الثالثة لمصالح المخابرات ، لكن الأسئلة المطروحة ، كما لاحظ دفاع الطرف المدني، لم تمس الجانب التقني في مشروع أوفقير ، بل انصبت على القضايا الاقتصادية والسياسية ، أي أن الاستمارة أهملت عن قصد الجوانب التقنية في مشروع استرداد بن بركة أو اختطافه. ويبدو أن هذه الأسئلة تنحو نحو الامتدادات الداخلية والجهوية والعالمية للمهدي بن بركة ، وهو ما يعضد أطروحة وقوف أجهزة فرنسية وراء عملية الاختطاف ، والتي كانت هي أيضا تقتفي حركات بن بركة في تحركاته في إفريقيا واتصالاته مع حركات التحرير الإفريقية، وقد انتبه مؤخرا دفاع وعائلة بن بركة لمطالبة السلطات الفرنسية الكشف عن التقارير التي أعدتها المخابرات الفرنسية حول المهدي بن بركة.

عندما قدم لوبيز أجوبته إلى المصالح المختصة ، لم تكن تحمل ، وفق شهادة الجنرال جاكيي أي تهديد لحياة بن بركة ، لكن الملفت للنظر أن هذه الوثيقة لم تسلم إلى محكمة الجنايات بباريز،  واحتفظت بها وزارة الجيوش.فهل يتعلق الأمر بمعلومات تفيد الاطلاع الكلي للمخابرات الفرنسية على مشروع اختطاف بن بركة ؟أو أن هذه المعلومات الواردة في التقرير قد تقود إلى كشف العلاقة المفترضة بين ضباط فرنسيين ومغاربة ، وأن لوبيز صرح بوجود هذه الوثيقة عندما أحس أن التغطية التي كان يجب توفيرها له قد سحبت عنه؟

( نشرت صورة من تقديم لهذه الوثيقة في كتاب :

Roger Flegot et Pascal Krof : La piscine,les services secrets français .1944-1984. Paris 1984.p 295)

افتتح لوروا تقريره المؤرخ في 17 ماي، والموجه إلى الكولونيل تريستان ريشارد، والمكلف بالشؤون العربية،، بالإشارة إلى العميل لوبيز ، إذ كتب ما يلي : ”  الموضوع : المغرب

يشرفني أن أوجه لكم صحبته ، وللإخبار ، تقرير لوبيز ، مؤرخ في 12 / 5/ 65 ، بعد أأن قام بسفر إلى الرباط. وبناء على نوعية العلاقات لهذا العميل والذي سيعود إلى المغرب، أعتقد أنه يمكننا تحرير استمارة لحسابه. أذكركم باختصار أن لوبيز:

– -كان رئيس إنزال لدى الخطوط الفرنسية الجوية بطنجة،

– كانت له روابط صداقة مع أوفقير( يستقبل أبناء أوفقير عند حلولهم بباريس )،

– حضر مؤخرا حفل زواج أوفقير ( يتعلق الأمر بالزواج الثاني لأوفقير بعد طلاقه من زوجته الأولى)

– له علاقات في القصر الملكي،

– وأخيرا فقد طلب من الخطوط الملكية المغربية لتسيير مصلحة العلاقات الخارجية”

يبرز تقرير لوروا هذا تطابق مصالح المخابرات الفرنسية وأطراف مغربية التي ترى في عودة بن بركة إلى المغرب تهديدا سياسيا واقتصاديا ، وغياب هذه الوثائق وعدم الإدلاء بها أمام المحكمة قد تبرز أيضا أن عودة بن بركة إلى المغرب سيهدد المصالح الاستراتيجية للمخابرات الفرنسية ، الذي يشكل كما هو وارد في التقارير التي قدمت إلى محكمة الجنايات ، بأنه قاعدة هامة في شمال وغرب إفريقيا.

يمكن أن تشكل عودة بن بركة إلى المغرب تهديدا للمصالح الاقتصادية الفرنسية ، إذ أن المشاركة  في حكومة وحدة وطنية قد يغير السياسة الاقتصادية المغربية ، ولن تنسى هذه المصالح التحولات الاقتصادية التي وقعت بالمغرب غداة قيام حكومة عبد الله إبراهيم التي فصلت الاقتصاد المغربي عن العجلة الفرنسية ، وما ترتب عن ذلك من ضياع للامتيازات الفرنسية ، وأن عودة اللوبيات الفرنسية بعد إقالة حكومة عبد الله إبراهيم في ماي 1960، كلف المغرب ثمنا سياسيا كبيرا خلال الستينات والسبعينات.

الوثيقة الرابعة

هل يجب ربط هذه الوثيقة، التي لم ترد مصالح المخابرات الفرنسية الكشف عنها, بوثيقة أخرى عثر عليها في حقيبة فيكون بعد ” انتحاره “، ويتعلق الأمر بأسئلة ، مصدرها مغربي ، لاستنطاق بن بركة بعد اعتقاله، وهي أسئلة تحمل أجوبة في حد ذاتها ، وتكشف عن ” نوايا أوفقير ” كما صرح بذلك المدعي العام للمحكمة طوبا، خصوصا السؤالين التاليين :

1)     يدور الحديث منذ بضعة أشهر حول تقارب بين القصر والاتحاد الوطني للقوات الشعبية.، بل يدور الحديث أيضا عن تشكيل حكومة قادمة يشترك فيها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ما رأييك في هذا الموضوع؟ وهل قادة الاتحاد متفقين معك لإسقاط النظام ، هل لك اتصالات معهم؟

2)       ما هو بالتحديد موقف الاتحاد المغربي للشغل  من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية؟ هل يستطيع المحجوب بن الصديق أن يتفق معكم  لإسقاط النظام؟

لكن الوثيقة حملت أسئلة أخرى لها دلالات أقل ما يقال عنها أنها بعيدة كل البعد عن نقاش لإعادة بن بركة إلى المغرب ، إنها أسئلة موجهة إلى بن بركة الأسير ، بما تحمله من دلالات سياسية وأمنية. وتتعلق بأسئلة حول أحداث الدار البيضاء في مارس 1965 ، وهل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية كان وراء هذه الأحداث ، وعن علاقة الإضرابات التي أعلن عنها الاتحاد المغربي للشغل ، هل كان الغرض منها دعم  الأحداث أو كان الهدف منها عدم فقد المصداقية أمام تحرك الجماهير، إضافة إلى أسئلة أخرى حول قادة الاتحاد المغربي للشغل.

وتضمنت الوثيقة سؤالا آخر حول التحول الذي يمكن أن تأخذه أحداث الدار البيضاء، لو قام في حينه نزاع حدودي بين المغرب والجزائر ، وأثر ذلك على فعالية القوات المغربية في مواجهة انتفاضة الدار البيضاء،” وربما أدى هذا إلى سقوط النظام”. وعلى الأقل كانت هناك إمكانية ” للجيش المغربي ” ، الذي كان معسكرا في الجزائر ، في التسرب إلى المغرب لمساندة التظاهرات. ماذا رأيكم في عمل بن بلة في هذا الميدان؟

( تم في الستينات ترويج فكرة الجيش المغربي ، المؤطر من لدن بعض قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في المنفى، ومن المقاومة وجيش التحرير المستقرين في الجزائر ، وما زال من يروج لنفس المعلومات في بعض الكتابات التي صدرت مؤخرا، والحالة كما اكتشفت فيما بعد ومن خلال محاكمة 1971 بمراكش ، أن الأمر يتعلق ببضع مئات من المتطوعين المغاربة الذين أمضوا بضعة شهور في معسكرات للتدريب ، واستغلت هذه المعطيات لتعزيز المواقع والنفوذ داخل الأجهزة الأمنية بالمغرب )

ووضعت أسئلة أخرى مرتبطة بالوضعية الحالية لهذا الجيش (أكتوبر 1965)، وفيما إذا كان بومدين سيعتني بهذا الجيش كسالفه؟ وهل الجزائر تتحمل نفقاته لوحدها، وتساؤلات أخرى عن التدريب والتأطير. وفي حالة رفض بومدين تبني الجيش المغربي ، ما هي الدولة التي يمكن أن تساعدكم،في استضافته ولأي سبب ؟

وأن ” الجمهورية العربية المتحدة تساندكم بشكل مطلق وفي جميع الميادين، هل هذا صحيح؟”

ثم تنتقل الأسئلة إلى  معرفة الطريقة التي يستخبر فيها بن بركة عن الوضعية السياسية بالمغرب عدا الراديو والصحافة.وأن الحديث يجري ” منذ شهور عن تقارب بين القصر والاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، ويصل الحديث إلى تشكيل قريب لحكومة ، سيمثل فيها الاتحاد الوطني، ما هو رأيكم في هذا؟ وهل زعماء الاتحاد الوطني متفقون معكم لإسقاط النظام؟هل لكم اتصالات بهم ؟

-ما هو بالضبط موقف الاتحاد المغربي للشغل تجاه الاتحاد الوطني للقوات الشعبية؟ وهل يمكن للمحجوب بن الصديق أن يتفق معكم لإسقاط النظام بالمغرب؟

-هل تعرفون أن المظاهرات والانتفاضات العفوية لا تكفي لإسقاط النظام، الذي يدعمه الحركة الشعبية والاستقلال؟

– هل أسستم في المغرب، وخارج الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، تنظيمات سرية مسلحة لإضعاف سلطة النظام، من يراقب ويمول هذه التنظيمات؟

– من يصدر الأوامر لهذه التنظيمات؟ إذا كانت موجودة لماذا لم تدخل بعد ميدان التنفيذ؟ هل تتمتع بسند شخصيات سياسية وعسكرية مغربية؟

-هل سبق لكم تنظيم عملية ضد الحسن الثاني، وفي أي مناسبة؟هل أنتم من أنصار القيام بنفس العمل؟

-ما هي أشكال الدعم الذي تتلقونه من الدول الشرقية والعربية؟

-لتنفيذ الثورة المسلحة،هل خزنتم أسلحة بالمغرب؟

-ما هي حالة علاقتكم الحالية ببومدين؟ هل هو مهيأ لمساعدكم كما هو الحال مع بن بلة  ؟

– هل يمكن في يوم من الأيام أن تصلوا إلى تفاهم مع الحسن الثاني، وتحت أي شروط؟

– هل لكم سند من ضباط القوات المسلحة الملكية ، والذي يمكن يوما ، وبأمر منكم ، القيام بمحاولة انقلاب؟

– هل لديكم عناصر داخل جهاز الأمن؟

– ما هي مشاريعكم السياسية المقبلة؟

-هل تعتقدون أنه بإمكان قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، أن يخترقوا الجماهير الشعبية المغربية لصالحهم وتوجيهها ضد النظام؟

-من هم رؤساء الدول الذين يساندون حركتكم الثورية؟”

( وثيقة رقم 29 من وثائق المحاكمة ، المرجع : Affaire Ben Barka Témoignages et documents- U.S.F.P. France-1975)

وضعت هذه الأسئلة لمعرفة الامتدادات السياسية بالخصوص للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، ومعرفة مدى الدعم الذي يتلقاه من الجزائر والدول العربية الأخرى ، وسبر نوايا بن بركة في فكرة حكومة وحدة وطنية ، والموقف من الملك الراحل، ونوع العلاقة التي أصبحت تربط بين بن بركة وبومدين.

هذه الأسئلة تدخل في باب الاستنطاق ، وليس الحوار ، ومهما قيل حول علاقة المحامي لومارشان بها ، فإنها حررت قبيل عملية الاختطاف ، إذ تتضمن الحديث عن نوع العلاقة القائمة مع بومدين ، الذي قاد انقلابا عسكريا ضد بن بلة في يونيو 1965 ،وتتمحور هذه الأسئلة على الحديث الذي يدور ” منذ شهور ” ، وإذا أخدنا بعين الاعتبار السياق التاريخي للمرحلة ، فالأمر يتعلق بالاتصالات التي دشنها عبد الرحيم بوعبيد مع الملك الراحل ، والتي أفضت إلى إطلاق سراح عدد من قادة الاتحاد خصوصا أولئك المعتقلين فيما عرف ب”مؤامرة يوليوز 1963″ . وانطلاقا من كل هذا يبقى الزمن الذي حررت فيه هذه الأسئلة محصورا في الفترة الممتدة  بين شهري يوليوز وأكتوبر1965 . وينطبق هذا الطرح مع ما ذهبنا إليه في عدة مقالات ، من أنه ابتداء من شهر يوليوز 1965 ، كان كل شيء انتهى حول المفاوضات لعودة المهدي بن بركة إلى المغرب ، وأن المقدمة التي كتبها بن بركة في يوليوز 1965 لتقريره ” الاختيار الثوري” حملت معاني القطيعة والباب المسدود مع ” النظام”.( أنظر كتابنا ، من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي ،الرباط، 2002 . صفحات 83 و84 و85 )

الوثيقة الخامسة : تقرير لوروا المؤرخ في 22 شتنبر 1965:

تزداد الصورة وضوحا حول الإعدادات لاغتيال بن بركة وعلم عدد من الأجهزة الفرنسية بما كان يدبر سواء في المغرب أو فرنسا أو جنيف أو القاهرة. يذكر لوروا ،( رئيس وحدة الدراسات والمعلومات (المصلحة7) ،في هذا التقرير ،وبناء على معلومات لوبيز، أن أوفقير أوكل إلى فريق خاص مهمة ” التقرب” من بركة في القاهرة وجنيف، ويتكون هذا الفريق من ” الشتوكي” و فليب برنيي و جورج فيكون ، وسيكون من مهام الفريق اقتراح فلم على بن بركة تكون لقطاته الأولى ، مظاهرة الدار البيضاء ( مارس 1965) .

شكل هذا التقرير، وكما أشار إلى ذلك دفاع الطرف المدني ،  تهديدا مباشرا لشخص بن بركة ، أي أن المصالح الفرنسية كانت تعي ذلك منذ شهر شتنبر 1965 ، وهو بالضبط الشهر الذي بدأ فيه العد العكسي  لعملية الاختطاف والاغتيال .سلم لوروا هذا التقرير إلى الشعبة الثالثة أ داخل مصالح المخابرات والمكلفة بالقضايا العربية، وأيضا إلى مصلحة مكافحة التجسس، الذي له امتياز التعامل مع مصالح الشرطة . لكن الشيء الذي وقفت عليه المحكمة أن رئيس مكافحة التجسس لم يسلم هذه المعلومات إلى الشرطة، واعترف الكولونيل بومون بذلك أمام المحكمة. فهل كان كل هذا نسيان أو تعمد أو إهمال لخطورة الموقف ، أم تواطؤ بين الطرفين المغربي والفرنسي. والأهم من هذا وذاك أن رئيس مكافحة التجسس لم يقدم شهادته أمام المحاكمة الأولى ، ولم تدمج الأجوبة الكتابية التي أرسلها إلى المحكمة ضمن وثائق المحاكمة، وكذلك نفس الشيء بالنسبة لأجوبة رئيس الشعبة الثالثة أ . مقابل ذلك حاول الكولونيل بومون التقليل من أهمية تقري لوروا المؤرخ في 22 شتنبر 1965، وهو الشيء الذي أثار المحامي بريكويي ، ليطرح التساؤل حول عدم اهتمام المصالح الفرنسية بمضمون تقري لوروا ، ووصل المحامي إلى بيت القصيد عندما تسائل عن السبب في عدم تسليم هذه المعلومات إلى مصالح الشرطة ،لإعلام المعني بالأمر وأخذ الاحتياطات اللازمة لسلامة بن بركة. ومع كل هذه المعلومات حول مخطط أوفقير في ” استرجاع ” بن بركة ، فقد كتب الجنرال جاكيي، إبان التحقيق، إلى القاضي زولينجر ، أن أي إشارة لم تكن واردة بالنسبة لمصالحه أن بن بركة سيتعرض لمكروه ، ولوحظ أن الجنرال حاول التغطية على الكولونيل بومون ، الذي انتبه الجميع إلى قوته داخل مصالح المخابرات الفرنسية.، التي حاولت التملص من المسؤولية في حدث اختطاف بن بركة في التراب الفرنسي ، لكن مصالح الشرطة أكدت من خلال شهادات مسؤوليها : بابون، والي أمن باريس ، وكريمو ، مدير الأمن الوطني ، وبوكوارون، مدير الاستعلامات العامة ، أكدوا جميعا ، لو أن مصالح المخابرات سلمتهم المعلومات الواردة في تقرير لوروا المؤرخ في 22 شتنبر لاتخذت كل الاحتياطات لسلامة أمن بن بركة في التراب الفرنسي .

يوم 8 أكتوبر 1965

كشفت المحاكمة وعدد من الشهادات أن مصالح المخابرات الفرنسية وعدد من أطرها وعملائها كانوا على علم وشاركوا في عملية الاختطاف ، فلوروا نفسه صاحب التقريرين السالفي الذكر ، ارتكب عدة أخطاء تؤشر إلى دوره  في عملية الاختطاف .

في يوم 8 أكتوبر 1965 أخبر لويز ،لوروا بأن مغربيا تحت اسم “جبايلي” اتصل به هاتفيا ،طالبا منه التوجه نحو جنيف، لكن لوبيز برر ذلك السفر بكونه سافر إلى جنيف ليوم واحد ، هو يوم 7 أكتوبر، وليس بعد أن تلقى مكالمة من  جبابلي، وأن سبب سفره هو التقصي فيما يحدث هناك ، وبوازع الشك في سفر فيكون يومي 5 و 6  أكتوبر، إلى جنيف صحبة الشتوكي ، لتعقب بن بركة ، لكن أمام المحكمة سيكشف أن لوبيز سافر إلى جنيف يوم 7 أكتوبر صحبة بوشسيش ، ( الذي وضع فيلته رهن الخاطفين لاحتجاز بن بركة)  . وتسائل الدفاع عن سر وجود كل العناصر التي ساهمت في تخطيط وتنفيذ عملية الاغتيال يوم 7 أكتوبر في جنيف ، وأردف أن السبب الحقيقي لكل هذه التحركات في جنيف هو اختطاف بن بركة (أو اغتياله) في نفس اليوم ، وأن سفر هذا الأخير إلى جاكارطا هو الذي أنقذه مما كان يخطط له.

يوم 11 أكتوبر 1965

كشف التحقيق أيضا أنه يوم 11 أكتوبر 1965 حرر أحد مساعدي لوروا ، واسمه ” مشيل ” ، تقريرا حول موضوع سفر لوبيز إلى جنيف ، فخلص لوروا إلى السبب الحقيقي لسفر لوبيز إلى جنيف يوم 7 أكتوبر 1965 ، لكن التساؤل الذي طرح أثناء المحاكمة وبعدها ، لماذا لم يخبر لوروا رؤسائه بهذهالخلاصات؟

جورج فيكون الذي انتهى به المطاف إلى الانتحار أو التصفية ، كان مبعث قلق للطرف الفرنسي والمغربي على السواء، فقد زار لوبيز بمقر عمله كرئيس مصلحة في مطار أورلي ، وصرح للوبيز بنوايا ” التقرب ” من بن بركة ، وأدلى لوبيز بهذه المعلومات إبان التحقيق ، وأعاده رئيس المحكمة في إحدى الجلسات ، جاء في تصريح فيكون للوبيز ، بأن المغاربة يريدون استغلال تقربه من بركة ،لاختطافه ، وربما لقتله، واشترط على لوبيز تلقي 100 مليون فرنك فرنسي قديم لأي خدمة يقدمها في عملية التنفيذ، وطلب من لوبيز أنة يخبر المغاربة بعرضه، وإذا لم تلبى طلباته ، سينشر القضية في الصحافة. سجل لوروا يوم 12 أكتوبر رواية ثانية حول الموضوع ، لكن مرة أخرى لن ينقل هذه المعلومات إلى رؤسائه.يقول التقرير أن فيكون أخبر لوبيز أن سفره إلى القاهرة صحبة الشتوكي وبيرنيي يخبئ شيئا ما ،” فإذا أرادوا مكروها لبن بركة، أنا أريد مالا حالا ، وإلا أوصلت القضية إلى الصحافة(…) وبما أنك قريب من المغاربة، أخبرهم بالأمر…”

أما الرواية الثالثة لفيكون ، وهي التي تتضمن تصريحا بعملية الخطف والقتل في حق بن بركة ، وهي الرواية التي نقلها عميد الشرطة بوفيي ، بعد استنطاقه للوبيز، جاء على لسان فيكون ما يلي :

Je ne suis pas dupe, les marocains veulent flinguer Ben Barka et moi aussi sans doute après. Je veux être payé pour ce que j’ai fait.

يوم 12 أكتوبر 1965

قام فيكون يوم 12 أكتوبر بزيارة فليب برينييو مدير مجلة Minute، واقترح على المجلة نشر معلومات حول عملية يقوم بها “المغاربة “من أجل اغتيال بن بركة، وأنه سيحصل مع شركائه على 100 مليون فرنك قديم، وفي هذه المقابلة أظهر جورج فيكون لمدير الجريدة رسالة من أربعة أو خمسة صفحات موجهة إلى الكومندان الدليمي، ووفق شهادة برينيو، أنهى فيكون رسالته بالعبارة التالية:

“إما أن تؤدوا الثمن أو أحكي كل شيء للصحافة الفرنسية”، وحدد فيكون آخر أجل للتسديد هو الاثنين اللاحق، أي يوم 15 أكتوبر 1965.

إن هذا التهديد الذي أشهره فيكون، هو معرفته بحكم ماضيه في عالم الانحراف، بالمصير الذي ينتظر بن بركة بعد اختطافه، وأن الثمن الذي كان يطلبه هو بالأساس لضمان سكوته على الإعداد لعملية الاختطاف وما يلي ذلك. وجاء في شهادة المحامي لومارشان والنائب البرلماني وصديق فيكون، أن هذا الأخير زاره يوم 1 نوفمبر، وأخبره أنه سيفجر فضيحة، لأنه كان من المفروض أن يقبض من ” المغاربة ” 100 مليون فرنك، لكن ذلك لم يحصل. أي أن فيكون كان يعرف، يوم الاثنين صباحا على أبعد تقدير، المصير الذي انتهى إليه بن بركة.

انطلاقا من هذه المعطيات، وبغض النظر عن مدى تورط لوبيز ولوروا في عملية تصفية بن بركة، فإنهما على الأقل كانا على دراية كاملة ومنذ 12 أكتوبر بالمصير الذي ينتظر بن بركة.

بيد أن تشابك المصالح بين المخابرات المغربية والفرنسية ، أو لضمان سرية عدد من الأشخاص الذين ساهموا من قريب أو بعيد في عملية الاختطاف ، تم إخفاء وثيقتين ، ويتعلق الأمر أولا بوثيقة كانت بحوزة لوروا تحمل أسماء أربعة من الشخصيات المغاربة الذين كانوا يهتمون بأمر بن بركة، فقد أعطى لوروا هذه اللائحة إلى أحد مساعديه، وطلب منه تحرير ورقة حول الموضوع ، وإرسالها إلى المصالح المختصة ، لكنه بعد ثلاث أرباع الساعة طلب من نفس المساعد التمهل ، وبناء على معطيات وردت في رسالة الرئيس الجديد لمصالح المخابرات ، إلى المحكمة ،أن لوروا قال لمساعده : ” المغاربة موضوع البحث لم يأتوا للنقاش مع بن بركة ، ولكن لقتله، لا تفعل شيئا ، سأنظر في الأمر…”

هل تعرف لوروا يوم 22 أكتوبر على الهوية الحقيقية للمغاربة الأربعة الذين حلوا بباريس لتصفية بن بركة ، وهل اكتشف مكانتهم ومسؤولياتهم في أجهزة المخابرات المغربية، وهل الكشف عن هويتهم سيؤدي إلى ضرر للمصالح الفرنسية المغربية في مجال المخابرات المشترك ، أو أن إخفاء أسماء هؤلاء ، هو في الحقيقة تسهيل لعملية تنفيذ العملية من أجل مصالح مشتركة ، أو أن الأمر جاء إلى لوروا من سلطات عليا داخل جهاز المخابرات الفرنسية أو من ديوان الوزير الأول بالتكتم حول شخصية المغاربة الأربعة ؟

( سنطرح العلاقة بين هذه الوثيقة ورواية البخاري حول الموضوع، وهل قام البخاري بدور الراوي لهذه الوثيقة، لأنها كانت ضمن الوثائق السرية التي لم يكشف عنها إبان التحقيق؟..)

أثناء جلسات المحاكمة حاول لوروا  تعويم جوابه ، لكن مساعده  ديهورم ، تذكر أمام المحكمة ، أن الأمر يتعلق بأربعة أسماء للفرقة الخاصة التي كلفت بقضية بن بركة، فأعقب لوروا بأنها أسماء العمال الأربعة الذين وفدوا إلى باريس للقيام بتدريب،( يحاول لوروا حماية مصالح المخابرات الفرنسية) لكن الجنرال كيبو، أكد أن الوثيقة التي تحمل الأسماء الأربعة ، قد سحبها لوروا من ملف لوبيز يوم 2 نوفمبر ( بعد معرفة مصير بن بركة) ، واختفت نهائيا بعد ذلك.( جواب الجنرال كيبو يسحب الغطاء عن لوروا)

لم تكن هذه الوثيقة هي الوحيدة التي اختفت من ملف القضية ، إذ تم الانتباه إلى اختفاء وثيقة ثانية دي صلة بالموضوع ، وكان من المفروض أن تظل في ملف  لوبيز. وظهر أثناء المحاكمة دور لوروا الإرادي في إخفاء هذه الوثائق ، التي ربما قد تكون لها حساسيات معينة ومرتبطة أساسا بمصالح مشتركة مع أطراف أخرى ، وقد يكون لوروا قد تحمل وحده عبئ مسؤولية إخفاء هذه الوثائق منتظرا حماية خاصة .

يوم الجمعة 29 أكتوبر 1965

وصل المهدي بن بركة يوم الجمعة إلى مطار أورلي بباريز ، قادما من جنيف حيث مقر سكناه . حطت الطائرة القادمة  في الساعة التاسعة وعشرة دقائق. وصرح فليب برنيي (مهتم بالإشهار) أن بن بركة هاتفه ليلة سفره ليؤكد له حضوره في موعد الغداء في مقهى ليب بحي سان جرمان، والذي كان سيعقد بمعيةالسينمائي فرانجي وصاحب السوابق ،جورج فيكون، الذي لم يكن بن بركة يعرف شيئا عن ماضيه الثقيل.غير أن رواية أخرى تقول أن أصدقاء بن بركة في منظمة تضامن حذروه من المجموعة التي كان بن بركة ينوي الاتصال بها ، وهكذا ورد في كتاب Perrault- Paris-1984 Un homme à part :Gilles، (ص386) ،أن المهدي بن بركة فاتح صديقة هنري كيرييل( منظمة تضامن) في شأن فلم حول العالم الثالث ، فرحب كيرييل بالفكرة، واقترح عليه اسم المخرج جو ريس إيفان ، لكن هذا الأخير لم يكن لديه الوقت للانكباب على الموضوع، فبحث بن بركة عن مخرج للعمل ، وموازاة مع الخطوات التي اتخذها بن بركة قامت منظمة تضامن بالبحث عن هوية الأشخاص الذين اتصل بهم  بن بركة حول موضوع الفلم ، فحذر هنري كيرييل صديقه من الشبهات التي تحوم حول بعض الأشخاص ، أعضاء “الفريق السينمائي”،  فاقتنع بن بركة  بتحذير كيرييل .

دار موضوع اللقاء مع هذه المجموعة حول مشروع فلم ” باسطا”، والذي كان من المفروض أن تكون اللقطات الأخيرة منه من الجلسة الافتتاحية لمؤتمر القارات الثلاث بكوبا. وسبق لبن بركة أن التقى بفرانجي و فيكون في القاهرة وجنيف، وكان مشروع الفلم ، كما كشفت التحقيقات فيما بعد،  فخا نصب لابن بركة لتنفيذ عملية اغتياله.

وفق كتيب صدر بباريس سنة 1975 حول المهدي بن بركة، تمت الترتيبات الأولى لاختطاف بن بركة ابتداء من شهر أبريل 1965، تحت إشراف رئيس ” الكاب 1″، الذي حضر إلى باريس، بأمر من الجنرال أوفقير، وأن السلطات الفرنسية لم تكن تعلم شيئا عن هذه الشخصية. وتبعا لنفس المصدر، فإن أوفقير حضر إلى باريس، يوم 21 أبريل، ليشارك في اجتماع خصص لتحضير عملية الاختطاف.(Affaire Ben Barka. Témoignages et documents- U.S.F.P. France-1975) فهل حضر هذا الاجتماع الطرف المغربي والفرنسي والإسرائيلي والأمريكي ؟

(ذكر تاريخ 21 أبريل أيضا في البيان الذي صدر عن الكتابة العامة للحزب ، في الذكرى الأولى لاختطاف بن بركة، 29 أكتوبر 1966 ، وذلك بناء على مجريات أطوار المحاكمة الأولى).

في ذلك اليوم ترك بن بركة حقيبته عند أصدقاء له ( جو أوحنا ، الذي كان عضو منظمة التضامن الأفرو أسيوي ) بشارع جان ميرموز، وفي ملتقى الشانزيليزي التقى بالطالب الأزموري ، والذي طلب منه بن بركة مرافقته إلى الموعد في السان جيرمان ، لإعطاء رأيه في الفلم المراد تنفيذه . ولعل هذا العمل الذي رتبه بن بركة كان نابعا ربما من تحذير زميله كيرييل من الشبهات التي تحوم حول بعض الأفراد من “الفريق السينمائي”، وهذا الطالب في التاريخ ، هو الذي كان وراء إشهار عملية الاختطاف، وكان الورقة التي لم يدخلها المختطفون في حساباتهم، ولم يستطع منفذو الاختطاف أمام مقهى ليب، الحسم في أمر الأزموري. كان ذكاء بن بركة حاضرا، فرغم دقة التخطيط للاختطاف، كان الأزموري وراء إفشاء العملية، ولولا هذا الطالب لظلت عملية اختطاف واغتيال بن بركة لغزا محيرا إلى يومنا هذا، أو أنها كانت ستأخذ أبعادا أخرى .إضافة إلى أن بركة و الأزموري حضرا إلى المكان قبيل الموعد، وهو الاحتياط الذي اتخذه بن بركة في هذا الموعد/الفخ، وأفلح على الأقل في إرباك حساب المختطفين وبالتالي فضح عملية الاختطاف. وحسب شهادة جورج فيكون ، فإن أوفقير أنب كثيرا المختطفين لبن بركة على تركهم الطالب الأزموري على الرصيف ، دون اعتقاله.

بينما بن بركة و الأزموري يتجاذبان أطراف الحديث على الرصيف، تقد نحوهما فجأة رجلان، الأول توجه إلى بن بركة مشهرا بطاقته، طابا منه مرافقته في سيارة الشرطة ويتعلق الأمر بالضابط سوشون، في حين توجه رجل الشرطة الثاني- فواتو- إلى الأزموري طالبا منه الابتعاد. لم يبد بن بركة أي اعتراض في الصعود إلى سيارة الشرطة. وهذا الامتثال إلى أوامر سوشون أثارت عددا من التساؤلات حول عدم رفض بن بركة لطلب سوشون.

جاء في كتاب جيل بيرو: ” Un Homme à part ” ، الصادر في باريس ، سنة 1984، معطيات صادرة عن رفاقه في منظمة تضامن ، نجد في الصفحة 386 من هذا الكتاب، أن بن بركة الذي كان يعيش في شقته دون أخذ الاحتياطات التي كان يلجأ إليها عندما يتحدث إلى أحد ، بفتح المذياع ، لمواجهة كل احتمال تجسس على محادثاته . وأنه في سنة 1965 ، عندما كان الجميع ينتظر تبوأه لرئاسة مؤتمر القارات الثلاث أصبح رجلا منهكا من خلال الاحتياطات التي كان يتخذها في حياته اليومية.

ليلة سفره إلى باريس تم الاتفاق بينه وبين جيهان فانجن على ترتيبات إقامته بباريس ، إنه أول سفر لبن بركة إلى باريس باسمه الحقيقي ، بعدما عمل مناضلو تضامن على ربط علاقات بينه وبين مستشاري دوكول ، الذي اهتم كثيرا بالتحولات الجارية لموازين القوى في العالم بظهور القوة الجديدة، مؤتمر القارات الثلاث ، ورئيسه المقبل  بن بركة، خصوصا وأن هنري كيرييل ، كان ينظر بتفاؤل لسياسة فرنسا تجاه العالم الثالث، فمن ضمن ترتيبات مواعيد بن بركة في باريس أيضا لقاء في قصر الإليزي  يوم 30أكتوبر، بين أحد مستشاري دوكول وبن بركة ، ويضيف أصدقاءه في منظمة تضامن ، أن هذه الخطوات جميعها أعطت لبن بركة إحساسا بالأمان لدى زيارته الرسمية هذه إلى فرنسا ، ولقاءه بأحد كبار مستشاري الجنرال دوكول. وقد رفض أن يكون في استقباله بمطار أورلي ، مناضلو تضامن حتى لا  يكون لهذا انعكاس سلبي ، لدى الإليزي ، فهو إذن كان يعتبر نفسه ضيف الرئيس الفرنسي . (أثناء معارك البيانات بين مسؤولين مغاربة ودوكول ، تم التهديد بالكشف عن تقرير لبن بركة حول لقاءات مع دوكول) لكن ذلك لم يقنع أصدقاءه الفرنسيين، فتم التراضي على أن يلتقي بأحد أفراد منظمة تضامن في الساعة الخامسة من مساء يوم 29 أكتوبر على أساس أن موعد وصول طائرته  سيكون بعد الظهر ، وبعد موعد اللقاء في المقهى ، سيحمله فانجن إلى منزل أحد “المناضلين ” جو أوحنا . يؤكد فانجن أنهم لم يكونوا على علم بالموعد في مقهى ليب. إذا كانت هذه المعلومات صحيحة ، لماذا غير بن بركة موعد سفره من ظهيرة يوم الجمعة إلى التاسعة والنصف صباحا؟

وعندما طلب منه الشرطي سوشون مرافقته في سيارة الشرطة ، بعدما أبرز له البطاقة المهنية ، تبعه دون اعتراض ، لأن إحساسه بالأمن فوق التراب الفرنسي كان قويا ، خصوصا ، أنه سيستقبل داخل قصر الإليزي، وربما ربط حضور الشرطة بالموعد المضروب في اليوم التالي .فإذا كان ذلك صحيحا ، هل كانت هناك أوساط داخل قصر الإليزي غير راضية على التقارب بين بن بركة ورئيس الجمهورية الفرنسية، وأن موعد اللقاء سرب إلى الجماعة التي كانت تتهيئ لاختطافه أو اغتياله؟ هل كان تسريب موعد بن بركة ضمن الصراع القائم بين أجنحة متعددة داخل قصر الإليزي ، وأن بن بركة أدى ثمن ذلك؟ هل كانت هناك أطراف داخل أجهزة الدولة الفرنسية غير راضية على هذا التقارب بين رئيس مؤتمر القارات الثلاث المقبل ، ورئيس فرنسا ذي الميول نحو العالم الثالث؟  هل استعملت الإدارة الأمريكية بعض أوراقها الفرنسية لإفشال موعد السبت 30 أكتوبر؟ وخصوصا وأن كوبا ستحتضن مكان مؤتمر القارات الثلاث، في ظل ما كان يعرف بالحرب الباردة.  وأخيرا هل كان ذلك التقارب بين بن بركة ودوكول يشكل خطرا على سياسة فرنسا تجاه المغرب، وبالخصوص مواقف المصالح الاقتصادية الفرنسية الكبرى؟

المهم من هذا وذاك أن الرئيس الفرنسي أعلن غضبه الكبير ، واحتل الواجهة في قضية بن بركة ، وهذا ما أثار استفهاما لدى عدد من المراقبين، كتب في حينه أن أم بن بركة أرسلت رسالة، عن طريق أحد الصحفيين، إلى دوكول تطالبه فيها بالبحث عن ابنها، فكتب دوكول جواب ، يتعهد فيها بالبحث عن مصير بن بركة ، وعلم فيما بعد أن ذلك الجواب قد مر من القنوات الدبلوماسية ، فزمجر وطلب أن تسلم الرسالة مباشرة إلى ” ماما فطومة” ، والدة بن بركة .( نوفيل أوبسرفاتور.2-8 فبراير 1966)

صعد بن بركة إلى المقاعد الخلفية بين سوشون وراكب آخر اسمه لوني، له ماض خاص في الإجرام. كان يجلس إلى جوار السائق رجل آخر برز اسمه بشكل جلي أثناء التحقيق والاستنطاق، ويتعلق الأمر بأنطوان لوبيز،  وهو الذي كان يوجه السائق فواتو نحو مكان الاختطاف، باتجاه فونتني لو فيكونت  ، وبالضبط  نحو فيلا يملكها بوشسيش، أحد وجوه الإجرام في فرنسا، ووفق رواية فرنسية ، كان بوشسيش في استقبال الضحية والجناة، وصرح الشرطيان اللذان قاما بعملية الاختطاف ، بأنهما لم يريا أي واحد من رجال العصابة التي احتجزت المهدي بن  بركة في فيلا بوشسيش.

خصصت جريدة لوموند ليوم 18 نوفمبر1965 مقالا ت حول تطور التحقيق في اختطاف بن بركة ، والذي مس في البداية الشرطيين: سوشون وفواتو، وأدت أقوالهما أمام قاضي التحقيق إلى استنطاق لوبيز. فقد صرح الشرطيان أنهما قاما بفعلهما نظرا لدور لوبيز داخل مصالح المخابرات ، التي كانت تنعت في الصحافة في البداية بهيئة رسمية، وأنهما كانا يعتقدان القيام بمهمة رسمية. واعترف لوبيز أمام قاضي  التحقيق أنه حضر إلى موعد الاختطاف متنكرا بنظارات و بشارب مستعار استعاره قبل مدة من الشرطيين سوشون وفواتو. وأن فيكون رسم للشرطيين ملامح بن بركة، ليلتحق بعد ذلك بالمقهى ، موعد اللقاء، حيث ينتظره كل من برنيي وفرانجي. وعندما حضر بن بركة والطالب الأزموري ، كان ديباي وباليس يراقبان العملية في الجانب الآخر للطريق. ولحقا بسيارتهما سيارة الأمن التي كانت تقل بن بركة نحو فيلا بوشسيش. قال لوبيز لبوشسيش : “عليك أن تقول أننا حملناه إلى هنا لحمايته من محاولة اغتيال” ، بعد ذلك عاد لوبيز إلى باريس رفقة أحد الشرطيين. وهاتف الجنرال أوفقير الموجود بالمغرب. وسيصرح لوبيز فيما بعد أن لوروا رئيس المصلحة التي كان يتعامل معها، أوحى له باتهام أوفقير ، كان هذا عندما أحس لوبيز بأن  السديك لم يمد له الحماية أثناء التحقيق والمحاكمة. صرح إذن لوبيز أمام قاضي التحقيق ، أن الشتوكي عضو في جهاز الأمن المغربي، وباتفاق مع سلطات فرنسية ، طلب منه استقطاب شرطيين فرنسيين، وأضاف أنه التحق في اليوم الموالي بالمطار في الساعة الخامسة والنصف لاستقبال الجنرال أوفقير، الذي كان برفقة الدليمي ورجل آخر اسمه الحسيني ( لعله الممرض الحسوني). وأن لوبيز نقل الجنرال أوفقير إلى فيلا بوشسيش ، في حين انتقل الدليمي و”الممرض” بوسائلهما الخاصة. وبعد تسليم مفتاح فيلته إلى أوفقير التحق بعائلته التي كانت في عطلة بمنطقة لواري.

لاحظ المحامون ومتتبعي قضية بن بركة ، ومن خلال ما تم الكشف عنه خلال “التحقيق” أو المحاكمة ، أن ردود فعل مصالح المخابرات الفرنسية(S.D.E.C.E) ، عقب عملية الاختطاف كان مثيرا للانتباه ، خاصة بالنسبة للوروا الذي لم يلتحق بعمله صباح يوم 29 أكتوبر. وتوجه مباشرة إلى مطار أورلي، حيث وصله حوالي التاسعة والنصف، وهو نفس الوقت الذي وصل فيه بن بركة إلى مطار أورلي قادما من جنيف، وبرر لوروا هذا التنقل[بأنه حضر المطار لاستقبال رئيسه الجنرال جاكيي، لكن المحكمة ستكتشف أن طائرة الجنرال كان موعد وصولها إلى المطار في الساعة الحادية عشرة وأربعين دقيقة، وليس التاسعة والنصف ، كما أن لوبيز هو الذي يتكلف عادة بهذه الشكليات، و هي إجراءات قصيرة، كما اعترف بذلك لوبيز نفسه، والذي أخبر لوروا في صبيحة ذلك اليوم أنه لن يكون موجودا في المطار، وأن زوجة لوروا هي التي تلقت المكالمة. وصرح بما يلي: ” طلبت منها أن تخبر زوجها بالموعد مع المغاربة، وقد نطقت باسم بن بركة أو ب ب ، ولن يكون هناك أدنى خلط في ذهن لوروا عندما تخبره زوجته بمضمون المكالمة “

( هل يتعلق الأمر بالموعد مع المغاربة الأربعة التي ذكرت أسماؤهم في تقرير لوروا المؤرخ في 22 أكتوبر 1965 )

لاشك أن لوبيز كان يهيئ صحبة آخرين اللمسات الأخيرة لتنفيذ الاختطاف، إذ كان موجودا في السيارة التي اختطفت بن بركة ، وهو الذي كان يوجه سائق السيارة نحو فيلا بوشسيش . بعد انتهاء العملية هاتف لوبيز لوروا من نادي يدعى Vieux de la vielle، فأجابه أحد مساعدي لوروا ، يدعى بواتيل، فأملى عليه لوبيز النص التالي : “

De la part de don Pedro, faire connaître à Thomas que le rendez-vous avait lieu à Fontenay, prés de chez moi.

واكد بواتيل بعد ذلك تلقيه لهذه المكالمة، وأنه شبه متأكد أنه سلم المضمون إلى لوروا، عندما عاد هذا الأخير إلى مكتبه في الساعة الرابعة بعد الظهر. لكن الوثائق التي قدمت إلى المحاكمة تنفي وجود تسجيل لهذه المكالمة، فهل كانت هناك عملية إخفاء من لدن مصالح المخابرات الفرنسية لنفي أي علم لها بعملية الاختطاف؟

وبقدر ما نجد عناصر المخابرات الفرنسية متورطة في عملية الاختطاف، بقدر ما نجد منحى نحو إنقاذ المصالح من تهمة التورط في عملية الاختطاف، والوثائق التي قدمت، تهم بالأساس الأشخاص قبل المؤسسة.

بعد ظهر يوم الجمعة 29 أكتوبر ، ساعات بعد عملية الاختطاف ، انتقل بوشسيش و لوبيز إلى مطار أورلي ، في الساعة الخامسة والنصف، حيث اتصلا مرتين بهدف التحدث إلى أوفقير ، وكشفت سجلات التلفون بالمطار أن لوبيز كان يتصل بالرقم 03 -201 بالرباط ، لكنهما أبلغا ضابطا مغربيا بأنهما حصلا على”الطرد”، وأن على أوفقير القدوم فورا إلى باريس.

في الساعة التاسعة ليلا تمكن لوبيز من الاتصال بأوفقير ، الذي كان موجودا في مكناس ،وأخبره بنجاح العملية وضرورة حضوره، لكن أوفقير طلب  مهلة للاستشارة . في الساعة العاشرة والنصف ،اتصل أوفقير بلوبيز ليخبره بأنه سيصل إلى باريز يوم السبت 30 أكتوبر ، حيث حل بمطار أورلي في الخامسة بعد الظهر، أما الدليمي فقد سبقه إلى باريس ، قادما من الجزائر ،حيث حل بالمطار في الساعة الثانية ظهرا .  ووفق الرواية الفرنسية رافق أوفقير والدليمي في تحركاتهما كل من “الشتوكي ” ، الذي أشير إليه في تقرير لوروا إلى رئيسه الكولونيل بومون ، بأنه ( الشتوكي) مكلف بمهمة مغربية ،و”طالب” اسمه الماحي ، وهو في الحقيقة عميد شرطة . قاد لوبيز أوفقير إلى فيلا بوشسيش ، ليغادر صحبة عائلته إلى منطقة لواري.

استقر أوفقير والدليمي وشركاؤهما في فيلا لوبيز ، الذي عاد إليها في نفس الليلة، والظاهر أنه كان مهتما لمعرفة تطورات عملية الاختطاف . حل بفيلا لوبيز أيضا أناس على متن سيارة تحمل لوحة السلك الدبلوماسي, ووفق رواية لوبيز فإن أوفقير لم يمض الليلة في الغرفة التي حجز لها له الماحي بفندق “روايال –مونصو “، فقد تنقل كثيرا تلك الليلة،  وغادر باريس في اتجاه جنيف في الساعة الثامنة وثمانية دقائق صباحا. أما الدليمي وبقية أفراد المجموعة المغربية فقد غادروا مطار أورلي في نفس اليوم، وتبعهم بوشسيش يوم الاثنين 1 نوفمبر. في نفس اليوم أيضاعاد الدليمي إلى باريس وتبعه أوفقير يوم الثلاثاء، للمشاركة في حفل إتمام تدريب عدد من العمال بمقر وزارة الداخلية الفرنسية بحضور وزير الداخلية الفرنسية روجي فري، و توبع الحفل مساء في إقامة رسمية، وهناك سلم إلى باليس ، أحد المشاركين في عملية الاختطاف ، مبلغ مليون فرنك فرنسي قديم ، لتدبير عملية فراره من فرنسا. في صباح يوم الخميس 4 نوفمبر،صباحا غادر أوفقير و الدليمي بسرعة العاصمة الفرنسية، لتقدم البحث من لدن عدد من الأجهزة المختلفة، والتي بدأت تربط اختفاء بن بركة بتقارير سابقة للمخابرات الفرنسية عن مشاريع أشرف عليها أوفقير للتخلص من بن بركة.

بعد عملية الاختطاف لم يتمكن الأزموري من إبلاغ الطلبة الاتحاديين بباريس، باعتقال بن بركة ، من لدن شرطيين فرنسيين، إلا في الساعة الثالثة بعد الزوال.( هناك رواية تقول بأنه اختفى عن الأنظار لمدة ثلاثة أيام، لكن العودة إلى الأحداث تنبث أن الأزموري أخبر أصدقاء بن بركة في نفس يوم اختطافه ، وإلا كيف عرف الطاهري ،صديق بن بركة، نبأ اختطافه في نفس اليوم) وفي الساعة السابعة مساء كان الجميع من مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وصحافيين ، على علم باختطاف بن بركة. أحد أصدقاء بن بركة بباريس ، واسمه الطاهري ، اتصل بعدد من القياديين الاتحاديين ، وحاول إعلام أصدقاء بن بركة الفرنسيين ، ولكن دون جدوى.

يوم السبت 30 أكتوبر 1965

في صباح يوم السبت 30 أكتوبر، وفي الساعة الحادية عشرة، ” علم ” وزير الداخلية باختطاف بن بركة من لدن شرطيين فرنسيين. في الساعة الثالثة والنصف هاتف العميد المركزي شارونديير، من الاستعلامات العامة التابعة لولاية أمن باريس ، مصالح S.D.E.C.E وطلب من ضابط المداومة إن كان على علم باختطاف بن بركة، فأجاب الضابط بأن لا علم له بهذه القضية، وفي مكالمة أخرى سلم نفس الضابط للعميد شارونديير، عنوان ورقم هتف محمد الطاهري ، احد أصدقاء بن بركة المقيمين في باريس. وهنا تسائل المحامي ستيب إبان المحاكمة : لماذا لم تسلم المصلحة الثالثة كل ما لديها من معلومات إلى مصالح الاستعلامات بباريس ، ولما أنكر  مسؤولوها معرفتهم بالقضية؟ وتزداد الأمور غموضا بالنسبة لهؤلاء، عندما اختفوا من الساحة ، مستغلين عطلة نهاية الأسبوع الطويلة ، والتي صادفت عيد الموتى( 1 نوفمبر).في صباح يوم السبت 30 أكتوبر ، أخبر الطاهري إدغار فور بما تعرض له بن بركة ، وطلب منه الاتصال بالسلطات الفرنسية ، وإخبار جريدة لوموند ، عن طريق جان لاكوتير. في الساعة الثانية عشرة زوالا اخبر الطاهري من لدن جان لاكوتير، ومن طرف بعض المسؤولين الفرنسيين ،أن بن بركة ليس بين يدي الأمن الفرنسي.

أبلغ والي أمن باريس بابون، وفق تصريحه أمام المحكمة ، وزير الداخلية بالخبر في الساعة الحادية عشرة والنصف من يوم السبت . و بابون هذا يعرف جيدا موقع المهدي بن بركة في الساحة السياسية المغربية ، فقد كان عميد شرطة الرباط سنة 1952 ، و كان يتابع  تحركات بن بركة إبان فترة النضال من أجل الاستقلال.

في منتصف نهار السبت 30 أكتوبر، كانت الحكومة الفرنسية إذن على علم بجريمة اختطاف بن بركة فوق التراب الفرنسي. لكن لا أحد حرك ساكنا،وهو الشيء الذي أثار حفيظة دفاع الطرف المدني إبان المحاكمة. لم تعلن الخطوات الأولى للقيام ببحث في الموضوع إلا يوم الأحد 31 أكتوبر بعد الظهر، كما أكد ذلك عميد الشرطة مارشان، الذي أكد الجميع أنه لم يكن في مستوى الحدث،  إذ لسبب أو لآخر لم يبدأ بالقيام بالإجراءات الأولى للبحث إلا يوم الأحد 31 أكتوبر ، في الساعة السادسة وخمس وأربعين دقيقة  ، حيث وزعت برقية على مراكز الشرطة حول اختطاف بن بركة . ويظهر أن هذه البرقية لم يتعد مفعولها إلى البحث في كل ما ينتقل بين المغرب وفرنسا، ولم يشمل أيضا مراقبة الأشخاص الذين ساهموا في عملية الاختطاف ومن بينهم، بوشسيش، الذي سافر إلى المغرب    يوم 1 نوفمبر 1965 في الساعة التاسعة وخمس وأربعين دقيقة.

تم إخبار عميد الشرطة مارشان من لدن الطاهري، الذي سبق ذكره، بأن أوفقير موجود بفرنسا، لكن لا أحد أخذ بعين الاعتبار هذه المعلومات، واختفت ورقة المعلومات التي تخص الجنرال أوفقير ووصوله إلى باريس يوم 30 أكتوبر في الساعة الخامسة والنصف، ولم يعثر عليها أحد.

في يوم الأحد 1 نوفمبر، استقبل مارشان، زيارة  فليب برنيي ، ودار الحديث حول موضوع اختطاف بن بركة. كان برفقة مارشان مساعده كيرلان، طلب مارشان من برنيي ، فيما إذا كان يشك في أحد ، فأجابه :

“نعم، لدي شكوك، فقد أخبرني المهدي بن بركة بالمحاولات التي كانت تستهدف تصفيته، وأن الجنرال أوفقير وراء ذلك.” فقال مارشان، وإذا كان الفاعل هو الجنرال أوفقير، فأجاب بيرنيي :

” لن يخرج بن بركة منها سالما، إني أعرف فظاعة أوفقير، إنه رجل يقتل، وهذا معروف عند الجميع.”

ومع كل هذه المعطيات، لم يخلص عميد الشرطة، الذي كان يقوم بالمهمة بالنيابة إلى الربط، في نفس الوقت، بين اختفاء بن بركة وحضور أوفقير بباريس، واعترف مارشان بذلك أمام المحكمة. ومما زاد الطين بلة أن شهادة بيرنيي لم توضع في الملف، فقد ظهر له أن اتهام وزير الداخلية المغربي أمر خطير جدا.

كان العميد كاي، من الاستعلامات العامة،  أشد انتباها لما يجري، ويظهر من خلال تسلسل الأحداث، انه كان يدرك خطورتها. وهذا ما دفع دفاع الطرف المدني إلى الشك في نفس الوقت في نوايا مارشان وكاي على السواء. وأكد المحامي بريكويي أن مارشان كان يعلم بما سيجري من أحداث.

كان عميد الشرطة كاي ، صديقا للمحامي والبرلماني لومارشان ، الذي هو بدوره صديق و درع لجورج فيكون صاحب السوابق في عالم الإجرام ، وقد تبدو من هذه العلاقات الروابط التي تجمع بين مسؤولين من الأمن وعناصر إجرامية ، وهي نفس الظاهرة التي سوف تبرز من خلال علاقات عملاء المخابرات الفرنسية مع أصحاب السوابق ، من خلال الحلقة التي تجمع بين لوروا و لوبيز وبوشسيش ولوني وغيرهما . وهي نفس الشبكة التي خططت وساهمت في تنظيم الاختطاف ، بل حاولت في بعض اللحظات تظليل البحث عن بن بركة ، والتستر على معلومات لها أهميتها ، لو كشفت في حينه ، أي لو قام هؤلاء الموظفون الفرنسيون بواجبهم لربما أخذت قضية بن بركة منحى آخر.

يوم 1 نوفمبر 1965

أدت مواكبة كاي للأحداث قبل وأثناء وقوعها إلى جمع المعلومات حول عملية الاختطاف ، منذ يوم الاثنين 1 نوفمبر 1965 ، وذلك بفضل مخبرين أمثال كوهيي و فينيو و وورث ومارفيي وآخرون ، وبفضل هؤلاء تم جمع معلومات أخرى في صباح يوم الثلاثاء 2 نوفمبر . كان فيكون  يحكي في الحانات أنه شارك في عملية اختطاف بن بركة. كان وراء هذه المعلومات كل من جان مارفيي و جيرالد كوهيي، فقد التقى الاثنان فيكون في حانة تسمى  Courrier de Lyon ، مسائي 29 و 30 أكتوبر . في مساء يوم 29 أكتوبر التقى فيكون بما رفيي وكوهيي ، وفهما منه أن أحدا اختطف اليوم ، وفي مساء اليوم الموالي ، صرخ فيكون أمام نفس الشخصين ، وفي نفس الحانة : Ca bouge, ça va bouger .

انطلاقا من هذه المعلومات، حاول كاي الاتصال بالمحامي لومارشان ، الذي هو في نفس الوقت صديق فيكون وكاي، وتمكن من ذلك يوم الثلاثاء 20 نوفمبر ، في الساعة الواحدة زوالا . كان فيكون متلهفا لحكي القصة من ألفها إلى يائها ، وكما لاحظ المحامون في حينه ، أن فيكون كان يرمي من وراء ذلك إلى خلق فضيحة داخل الأوساط الرسمية الفرنسية ، ليسهل  إخفاء عملية الاختطاف والاغتيال ، فقد كان فيكون ، وفق شهادة صديقه المحامي لومارشان جد حذر ، وكان بعمله هذا يهدف إلى عدم توريطه وحده في العملية ، خصوصا ، وانه استعمل  في خطوة التقرب من بركة ، إذ كان عضو ” الفريق السينمائي ” ، وأكد لومارشان ، أن فيكون ما كان أن ينخرط في هذه العملية لو لم يكن متأكدا من أنه لن يتعرض إلى أي عقاب. ويمكن أن نظيف أن الأمر كان بالنسبة لهذا الرجل خدمة يجب أن يؤدى عنها ، ولذلك كان يلح على تسليمه مبلغ 100 مليون فرنك فرنسي ،مقابل الخدمات التي أدها إلى ” المغاربة” . وكما كتب في حينه، ألم يهاتف لوبيز، لوروا أمام فيكون ، ليتبث له أن المصالح الفرنسية وراء العملية؟ وعندما حكى فيكون لصديقه لومارشان  ما جرى ، كان يعرف حتما أن  كلامه سيصل إلى عميد الاستعلامات العامة كاي ، لكن لم يصرح بأي اسم من  الجماعة التي اختطفت بن بركة ، وربما كان هذا هو المنطق السائد في وسط العصابات،  ولذلك تمحورت تصريحات جورج فيكون حول عملية اختطاف بن بركة وتصفيته. ولم يمنع كل هذا من انتقال فيكون إلى الدار الآخرة شهورا قليلة بعد اغتيال بن بركة، خصوصا بعد أن افتضح أمره، وأصبح يشكل تهديدا على الآخرين ، فوجد ” منتحرا” في الوقت الذي حاصرت قوات الأمن منزله.

لم يسلم كاي  كل المعلومات التي كانت بحوزته إلى ضابط الشرطة ، الذي كلف بالبحث .

يوم 2 نوفمبر 1965

عندما عاد الكولونيل بومون إلى عمله يوم 2 نوفمبر ن تسائل لماذا لم يتصل به لوروا في رقم هاتفه الخاص ، فأجاب هذا الأخير ، انه كان يأمل الحصول على معلومات جديدة. لكن لوروا تراجع أمام المحكمة عندما أحس بالبساط يسحب من تحت رجليه ، انه هاتف بومون، وأن امرأة أجابته بأن الكولونيل في عطلة. فعقب بومون على ذلك بأن لوروا يكذب. والسؤال المطروح أيضا هل أعلم لوروا رئيسه بالمكالمة التي جرت بينه وبين لوبيز يوم 31 أكتوبر 1965.

المثير للانتباه في هذا المسلسل من الأحداث ، هو الصمت الطويل للوروا ، والذي أراد لعب دور الواجهة في المحاكمة إلى أن اكتشف أنه وحيدا أمام المحاكمة، وأنه سيؤدي الثمن وحده..فقد تلقى لوروا يوم، 31 أكتوبر في الساعة الحادية عشرة وست وثلاثين دقيقة، مكالمة طويلة من لوبيز، الذي التحق بعائلته فيبيلكارد بمنطقة اللوار. وانتظر لوروا إلى يوم 2 نوفمبر لكتابة ورقة حول موضوع المكالمة الهاتفية بين الرجلين، ثم وجه الورقة إلى رئيسه بومون ، لكنه لم يتذكر كل ما جاء في المكالمة. ، وكل ما تذكره أن سأله لوبيز ، هل سمعت بخبر اختطاف بن بركة، وأضاف :

Il y a de l’Oufkir la- dessous

. وتفاجأ الجنرال جاكيي أمام المحكمة من أن لوروا لم يخبره بموضوع المكالمة بينه وبين لوبيز. ويظهر تورط لوروا في الأحداث التي تلت افتضاح العملية ، فمباشرة بعد المكالمة المذكورة أعلاه بين لوبيز ولوروا يوم 31 أكتوبر، اتصل ضابط الشرطة لوبون من ولاية أمن باريس بمصالح المخابرات في الساعة الثانية عشرة وخمس وأربعين دقيقة، طالبا إذا كان أحد ضباط   المصلحة ، قد اتصل ببن بركة يوم 29 أكتوبر، لكن تحت أوامر لوروا ، كانت الإجابة بالنفي في الساعة الواحدة والربع، وبرر لوروا أن لوبيز ليس ضابطا في المصلحة ، لكنه مخبر فقط.

لم تأخذ الأمور مجراها الحقيقي في قضية بن بركة إلا يوم 2 نوفمبر، إذ بدأ لوروا الاتصال برئيسه بومون وإخباره بموضوع مكالمة 31 أكتوبر.اتصل بعد ذلك بالجنرال جاكيي، ليتناول طعام الغداء مع الضابط كاي من الاستعلامات العامة ، الذي أخبر لوروا بان لوبيز اشترك في عملية الاختطاف، جاء الخبر من أحد مخبري الاستعلامات العامة، الذي نقل الخبر عن المحامي والبرلماني لومارشون ، الصديق الحميم لجورج فيكون.وأضاف كاي بأن S.D.E.C.E غارقة في مستنقع من…، لكن لوروا كان يجيب بأنه لا يعرف شيئا عن القضية.وبناء على المعلومات التي وصلت إلى كاي ، فمن المرجح أن أوفقير أجهز على بن بركة بخنجر…

إن إجابات لوروا على المعلومات التي كان يتوفر عليها الضابط كاي، جعلت هذا الأخير يعي أهمية المعلومات التي كانت بحوزته، لأنه شك في رد فعل لوروا تجاه ما دار بينهما من حديث.

يظهر من خلال تصرف لوروا يوم 2 نوفمبر أنه تفاجأ لرد الفعل حول اختطاف بن بركة، فقد دبت حركة قوية داخل مصالح S.D.E.C.E ، وتوجهت بعثة من هذه المصالح إلى ولاية أمن باريس ، بناء على توصية الجنرال جاكيي. كانت البعثة مكونة من كامب ، مدير مساعد في مصلحة مكافحة التجسس، وكانت له مهمة الاتصال بالأمن، ومن كاين ولوروا.

لم يبلغ كامب الشرطة بتقرير لوروا المؤرخ في 22 شتنبر 1965، وأعلمهم أن المخابرات الفرنسية لا تقف وراء عملية الاختطاف.. وأثناء ذلك لم يذكر كامب ما يعرفه عن الجنرال أوفقير رغم توفر المعلومات لدى مصالح المخابرات من مشاركته في العملية ، وكان الحديث في هذا الاجتماع مقتصرا على ما جاء في تقرير لوروا  ليوم 22 شتنبر والفرقة الخاصة التي كلفت بملف بن بركة والكومندان الدليمي… ودار الحديث حول لومارشان صديق فيكون .

في هذا الزمن كان لوروا يملك معلومات هامة ، لكنه أخفى كل شيء عن علاقاته بالفريق المغربي ، خصوصا وأن هناك أخبارا تدوولت حول علاقة لوروا بالشتوكي ( أو برئيس الكاب 1) ،إذ تناول الرجلان طعام الغداء بمطعم يقع في شارعOberkamp      ، كما كشف الكولونيل أمام المحكمة أن مصالحه هيئت ملفا حول بيرنيي، الذي شارك في الإعداد للاختطاف ، من خلال ” الفريق السينمائي “.

.يظهر من سياق الحديث أن التقرير الذي حمله بومون إلى الشرطة كان متجاوزا، بل إن الثغرة التي فتحتها مصالح الاستعلامات العامة في قضية بن بركة كانت سببا في فضح تواطؤ عدد من مصالح المخابرات الفرنسية. فتقرير بومون ، كانت تنقصه عدد من المعطيات ، بالإضافة إلى أنه لم يشر إلى موضوع المكالمة التي جرت بين لوروا ولوبيز، يوم 31 أكتوبر . كما أن تقرير بومون لا يشير إلى لوبيز وحضور أوفقير والدليمي إلى باريس، والليلة التي أمضاها أوفقير في منزل لوبيز، ولم يتطرق أيضا إلى حركات الذهاب والإياب الليلية في منطقة أورموا. اعترف لوبيز بعد ذلك أمام المحكمة أن التقرير الذي حمله بومون إلى الشرطة لا قيمة له.

بهذه المعطيات الناقصة والموجزة جدا حلت بعثة S.D.E.C.E بمصالح الشرطة يوم 2 أكتوبر 1965 في الساعة الثالثة بعد الزوال ، وكان الاجتماع في مكتب كودار ، مدير ديوان المدير العام للأمن الوطني . وصل لوروا متأخرا إلى الاجتماع ، وكما فسر لكودار ، تأخر عن الموعد، لأنه كان يقوم بعملية تمحيص لبعض المعلومات، والحقيقة أنه كان على موعد مع لوبيز في نفس الوقت . وبدل أن تدلي مصالح المخابرات بما لديها من معلومات حول عملية اختطاف بن بركة ، كان همها أن تتوصل إلى ما تعرفه الشرطة عن القضية ، وصرح كودار أنه أحس في هذا اللقاء بأنه يخضع لاستجواب ، أكثر منه حوار حول القضية. وعندما وصل لوروا إلى موعد الاجتماع في نهاية الجلسة لخص لزميليه كامب و كاين، ما دار بينه وبين لوبيز.

في الساعة الرابعة بعد الظهر، انتقلت هذه البعثة إلى مكتب ديوان والي الأمن، سامفاي، وأقسم كامب أمام مدير الديوان أنه لا يعرف شيئا عن القضية. صرح كاين أمام المحكمة، بأنه في هذا الاجتماع قال عميد الشرطة كاي لأعضاء بعثة المخابرات، وإذا أثبت لكم أن لوبيز شارك في عملية الاختطاف، فحاول لوروا التغطية على لوبيز بأن هذا الأخير صرح بكلمة الشرف أنه لم يشارك في العملية، وطلب من سامفاي أن يأخذ بعين الاعتبار قيمة لوبيز لدى مصالحه، وأنه إذا تبتت مشاركته في العملية فإن مصالح المخابرات لن تحميه.

ونخلص من وراء كل هذا أن لوروا لعب دورا مشبوها في عدم ربط المعطيات وإيصالها إلى كل المصالح ، وهو الشيء الذي سهل مأمورية جل المتورطين في عملية الاختطاف والاغتيال في مغادرة التراب الفرنسي بكل طمأنينة.

في الوقت الذي كان فيه الجميع مقتنعا بتعدد الأطراف في عملية الاختطاف والاغتيال ، كان لوروا يقبرك التقارير الخاطئة ، إذ صرح الجنرال جاكيي أمام المحكمة ، ومنذ الجلسات الأولى ،أن الجميع ، ومنذ 2 نوفمبر ، كان مقتنعا بمشاركة أوفقير والدليمي في عملية الاختطاف. وكما لاحظ الدفاع ، فإن الجنرال جاكيي، لم يخبر الحكومة الفرنسية بهذا الاقتناع الذي وصل إليه الجميع يوم 2 نوفمبر 1965 .

كان يوم 2 نوفمبر حاسما في تطور قضية اختطاف بن بركة، وأحس يومها لوروا بوقوعه في قفص القضية ، كان يومها على موعد مع لوبيز بمقهى Le Bougnat  ، في الساعة الثامنة ليلا، وهو المقهى الذي كان في ملك زوجة أحد مساعديه يدعى لونوار ، و أحس لوبيز ولوروا بانغلاق الدائرة عليهما، كان لوروا تائها ، ويردد :

Mon petit vieux, je saute, je saute…

في نفس الزمن كانت مصالح الشرطة تبحث عن لوبيز، الذي ” اختفى “عن الأنظار، وحين كان سامفاي  يتحدث إلى لوروا ظهيرة ذلك اليوم (2/11/1965) كان يؤكد على لوروا بأن يتقدم لوبيز إلى مصالح الشرطة لتسليم نفسه، فأجاب لوروا بأنه سيفعل ذلك ، لكنه لم يذكر انه رآه قبيل ذلك اللقاء بقليل ، وانه على موعد معه في المساء. وفي لقائهما بالمقهى مساء يوم 2 نوفمبر طلب لوروا من لوبيز تسليم نفسه إلى الشرطة ، ولكن في صباح الغد.

يوم 2 نوفمبر هاتف الشرطة المكلفة بالجنايات، كان عميد الشرطة ،بوفيي، الذي عوض مارشان غائبا ، فطلب كاي أن تترك له الرسالة التالية: ” هل قادكم البحث إلى قرب أورموا؟”. لكن كاي أسر إلى والي أمن باريس بابون بتفاصيل أكثر دقة في نفس اليوم ، في الساعة الثالثة زوالا ، وكانت بين الرجلين علاقة خاصة ، ومن ضمن ما صرح به كاي في لقاءه مع بابون ، تورط لوبيز في العملية ، واحتجاز بن بركة في إحدى الفيلات بضواحي باريس ،وأن الشرطة متورطة في الموضوع . وقد أخبر بابون حالا وزير الداخلية الفرنسي بما لديه من معلومات .

اعتقد محامو الطرف المدني بأن اتفاقا حصل بين كاي والمحامي لومارشان على ألا يشمل البحث فيكون ، نظرا للمعطيات التي يعرفها حول الإعداد للاختطاف والاغتيال . خصصت مجلة نوفيل أوبسرفاتور ، في عدد   20  فبراير 1966، مقالا بقلم كلود أنجلي حول قضية بن بركة ، ذكر فيه أن روجي فري ، وزير الداخلية ، وصديق كاي و لومارشان ، أكد في عديد من المرات ، أن كاي زار لومارشان في نهاية صبيحة 2 نوفمبر، وأن فيكون كان أيضا حاضرا معهما ، وانه أسر بتفاصيل حول القضية. كان روجي فري يكيل المديح لنفسه ، إذ ذكر ، وفق كاتب المقال ، بأن تحت إلحاحه اهتم صديقه كاي بالموضوع، وأن المعلومات المهمة الأولى جاءت عبر هذا اللقاء. وتسائل الصحفي ، ألم يكافئ كاي ، جورج فيكون بإبقائه طليق السراح ، ولماذا لم يبحث الأمن ، ولمدة شهرين ، عن فيكون ، وأن روجي فري ، كان يتفاوض مع أوفقير والدليمي في اليوم الثالث من نوفمبر ، عندما أرسل مساعديه أوبير وبوزي ، إلى مأدبة العشاء الذي أقيمت في السفارة المغربية. هذه المعطيات لم يكذبها في حينه المحامي لومارشان ، لكن أمام المحكمة تراجع عنها،علما أن في فبراير 1966 كانت تجري ظروف أخرى ، غير ظروف المحاكمة التي أودت بمصير عدد من المسؤولون في المخابرات والأمن الفرنسي ، وكادت أن تعصف بمسؤولين كبار في نفس الأجهزة ، دون استثناء مسؤولين سياسيين في وزارة الداخلية و ديوان الوزير الأول ، بل حتى داخل قصر الإليزي. وهذا ما نبه إليه الدفاع حول الدور الذي لعبه لومارشان في تحويل مجرى البحث من أجل أهداف خاصة.

في نفس المقال أشار الصحفي إلى التداخل الحاصل بين أوساط الإجرام والمخابرات وأجهزة الأمن والمسؤولين السياسيين ، فوزير الداخلية فري صديق للومارشان ، وعلى علاقة مع عميد الشرطة كاي ، ولومارشان البرلماني والمحامي له علاقة حميمية مع لوبيز وفيكون . وعندما طرحت مسألة استقالة لومارشان من البرلمان  دافع فري بقوة عن صديقه.

عاد المراقب العام بوفيي إلى مقر عمله، فاستلم ملف بن بركة من عميد الشرطة مارشان ، الذي كان يقوم بالمهمة بالنيابة. لكن ولاية الأمن لم تسلمه كل المعطيات المرتبطة بالملف . في الساعة الثامنة مساء اتصل به كاي ، ليعطيه بعض المعلومات حول لوبيز ومساهمته في الاختطاف.

يوم 3 نوفمبر 1965

يوم 3 نوفمبر 1965 جاء الشرطي سوشون عند مدير الشرطة القضائية واعترف له بمساهمته في اختطاف بن بركة. وبعد ذلك سيأخذ لوبيز إلى مقر الشرطة . وهناك اعترف لوبيز بمشاركته في عملية اختطاف بن بركة، مصرحا بأن آخر من رأى بن بركة قد يكون الجنرال أوفقير.

في يوم الاثنين 3 نوفمبر ، بعد الظهيرة، كانت الشرطة قد استوفت عناصر جريمة اختطاف بن بركة، تحت إشراف أوفقير ، الذي كان في نفس الوقت يحضر حفلة  كوكتيل على شرف إنهاء بعض العمال لتدريب في باريس. وكما لاحظ دفاع الطرف المدني ، كان بإمكان المراقب بوفيي طلب استماع لأوفقير ، لكن هذا المسؤول الأمني قرر إرجاء الاستماع من جديد للوبيز إلى الساعة الواحدة ليلا من ليلة 3/4 نوفمبر ، والقيام بتفتيش في سكن لوبيز . ولم يصل طلب الاستنطاق إلى وزير الداخلية الفرنسي بشأن أوفقير ومن معه إلا في الساعة التاسعة وخمس وأربعين دقيقة، في حين حلقت الطائرة التي تقل أوفقير والدليمي في الساعة التاسعة وخمس وخمسين دقيقة . جرت الأمور ، وكأن كل شيء مرتب لكي يغادر أوفقير فرنسا دون أدنى ملاحقة .( استند رؤوف أوفقير في كتابه ، الضيوف،  الذي صدر في بداية السنة ، إلى العلاقات المتميزة التي كانت تربط بين أوفقير وعدد من الأجهزة الفرنسية ، خصوصا داخل جهاز الجيش الفرنسي والمخابرات . اشرنا أيضا في مقالنا ، الذي نشر في الأحداث المغربية في شهر ماي من هذه السنة ، إلى الزيارات المتكررة السرية التي قام بها إلى فرنسا ، رغم أنه نظريا ، كان مدانا من لدن محكمة الجنايات بباريس ، علما أن هذه الزيارات تمت في عهد بومبيدو، الذي أصبح رئيس الجمهورية الفرنسية.)

تلقى لوروا في صباح يوم  3 نوفمبر أمرا من رئيسه بومون بالابتعاد عن التحقيق في قضية الاختطاف ، ومرة أخرى لاحظ محامو الدفاع ، أن مصالح S.D.E.C.E ، مهتمة بمصير مخبرها لوبيز أكثر من اهتمامها بالبحث عن بركة. و أثبتت الوقائع أم مصالح المخابرات تحركت في كل الاتجاهات لتضليل تحريات الشرطة الفرنسية، والسؤال الذي طرح في حينه : لماذا بذلت مصالح المخابرات كل هذا الجهد لتضليل وعرقلة البحث؟

في الوقت الذي اجتمعت معطيات عدة على مشاركة العناصر المغربية والفرنسية في عملية الاختطاف .أثارت هذه المعطيات دفاع الطرف المدني ، فتحدث المحامي ستيب أمام المحكمة قائلا :
” ليس من شأن شرطي أن يوجه اتهاما ،إن هذا دور قاضي التحقيق ، والحالة هذه أنه يوم 3 نوفمبر عين السيد زولنجر قاضيا للتحقيق . ابتداء من هذه اللحظة ، كان من حق السيد زولنجر وحده فقط ، التقرير في إقرار اتهام أم لا ، أو على الأقل الاستماع كشاهد إلى أوفقير والدليمي والعشعاشي ، والذين كانوا آنذاك في التراب الفرنسي(…) لماذا لم تعملوا أي شيء لمنعهم من مغادرة أورلي يوم 4 ( نوفمبر)…” .(Affaire Ben Barka. Témoignages et documents- U.S.F.P. France-1975)

كان رد والي أمن باريس موريس بابون ، أنه من غير الحكمة في هذا الوقت اتهام الجنرال أوفقير ، الذي كان يعتبر صديق فرنسا ، وأحد الضباط العسكريين السابقين في الجيش الفرنسي ،  وأعلن ثقته في ” صديق فرنسا” .( كانت تربط أوفقير بفري ، وزير الداخلية الفرنسي صداقة متينة ، وربما استغلت هذه الورقة في توظيف لوبيز ولوروا و وسوشون وفيكون ولومارشان وغيرهما في عملية الاختطاف ، فلم يكن أحد يعتقد أن الأمور ستنكشف بهذه السرعة ، وأن الغطاء على القضية سيكون كثيفا).

في الوقت الذي كان أوفقير يحضر حفلة كوكتيل يوم 3 نوفمبر ، كتب بابون خلاصاته إلى وزير الداخلية،جاء فيها :

” Nous avons des informations qui tendent à mettre en cause le général Oufkir (…) Pour le moment ce sont des allégations sans preuves matérielles (…) Dans ces informations il y a des bavardages de Lopez” –     Affaire Ben Barka. Témoignages et documents – P 45

بيد أن السياق الزمني للأحداث وكما ذكرنا أعلاه كان جميع المسؤولين الأمنيين على علم بتفاصيل حدث الاختطاف ، وأسماء المساهمين فيه ، إضافة إلى اعترافات فيكون ولوبيز وسوشون ، فلماذا كتب بابون إلى وزير الداخلية بأن الأمر لا يتعدى ثرثرة دون أدلة مادية. هل يرتبط الأمر بتغطية خاصة بوزارة الداخلية الفرنسية لرفع أي اتهام بالتقصير في القيام بواجبها ، أم تغطية زمنية للسماح لأوفقير ومن معه بمغادرة التراب الفرنسي ، أم هما معا؟ ومن غرائب الصدف ، أن مساعدي بابون حاولوا وبكل قوة أن يبينوا أن المعلومات التي جمعت من لدن الأجهزة الأمنية يوم 3 نوفمبر لم تكن جدية ، إلا أن المحاميبريكويي ، رد على ذلك ، كيف أن نفس المعلومات التي توفرت لدى الأمن كانت غير جدية يوم 3 نوفمبر ، في الوقت الذي كان فيه ” المغاربة” موجودين فوق الترب الفرنسي ، لتصبح بقدرة قادر يوم 4 نوفمبر جدية ، أي في الوقت الذي غادر فيه “الفريق المغربي ” فرنسا؟

كان وزير الداخلية الفرنسي قد اقتنع تماما بتورط أوفقير في عملية اختطاف بن بركة ، وهو ما أسر به إلى مدير الأمن الوطني ، كريمو ، وطلب منه ، بما أنه سيحضر حفلة في مقر السفارة المغربية ، أن يتحدث مع أوفقير حول الموضوع ، وأن يسجل ردود فعله. أثناء سهرة السفارة ، وصلت أخبار إلى المغرب ، عن العثور على جثة في إسون ، فبلغ سفير فرنسا في الرباط مخاوفه إلى باريس ، وتحدث إلى جاك أوبير ، وفرانسوا دولابولاي ، الموجودين في السفارة المغربية، إبان حفلة المساء. وأثارت هذه المكالمات فضول أوفقير ، الذي لم يتورع على نزع السماعة ، وطلب من السفير الفرنسي الموجود على الخط، سبب مكالمته ومخاوفه.

لكن الموظفين الفرنسيين لاحظا مباشرة بعد ذلك ، رغبة وتسرع أوفقير في مغادرة فرنسا ، والغريب أن دولابولاي ، ساعد أحد موظفي السفارة المغربية على الاتصال بإدارة الخطوط الفرنسية لحجز وبسرعة مقاعد نحو المغرب ، وهكذا سجل مكتب الحجز بخصوص هذه المقاعد ، أنها حجزت بتوصية من الشؤون الخارجية .

يوم 4 نوفمبر 1965

في صباح يوم 4 نوفمبر 1965 غادر أوفقير والدليمي باريس باتجاه المغرب ، في حين توجه العشعاشي نحو جنيف ، وتسائل محررو الكتيب ، الذي صدر بباريس سنة 1975 ، عن سبب توجه العشعاشي إلى جنيف .

(Affaire Ben Barka. Témoignages et documents – P(46

والتساؤل قد يرتبط بالحديث عن الوثائق التي كانت بحوزة بن بركة بجنيف ، والمتعلقة بمؤتمر القارات الثلاث ، وبمنظمة تضامن ، التي كانت تجمع عددا من المنظمات التحريرية والثورية في العالم.

ومع هذه العودة السريعة من طرف أوفقير ومن معه، فإن السلطات الفرنسية ورغم المعلومات المتوفرة لديها، ورغم اعتقال لوبيز وسوشون، فإن أفراد العصابة الفرنسية، باليس ولوني و ديباي تمكنوا أيضا من مغادرة التراب الفرنسي بسهولة، علما أن سوشون غادر فرنسا منذ 1 نوفمبر، كان أفراد العصابة الفرنسية قد دخلوا منذ فترة في مفاوضات مع أوفقير ، اتصل باليس بالماحي ، في فيلا سعيد، بعدما تعذر عليه الاتصال بأوفقير، ليطلب هو ورفاقه لقاء مع وزير الداخلية المغربي ، الذي رأى في الطلب مجازفة كبيرة. لكن الفرنسيين ألحوا على الحصول على المال للفرار نحو المغرب. فتلقوا من الدليمي مليون فرنك.

حينما نشر بوفيي إعلان البحث عن العناصر الفرنسية ، يوم 4 نوفمبر 1965 ، في الساعة الواحدة زوالا ، كانت هذه العناصر كلها قد غادرت فرنسا.

لم يبح الشرطيان سوشون و فواتو بكل ما يعرفان أمام مدير الشرطة القضائية، ماكس فيرني إلا يوم 3 نوفمبر، لكن في المساء ذاته ، تلقى والي الأمن تعليمات ، من لدن وزير الداخلية، بشأن إرجاء استنطاق الشرطيين ،لأن هناك خطوات دبلوماسية ستتخذ إزاء الحكومة المغربية. ولم يخبر فيرني ، المراقب العام بوفيي، بتوقفه عن استنطاق سوشون و فواتو . ولم يعلم المراقب العام إلا مساء يوم 6 نوفمبر بأن الاستنطاق توقف بأمر حكومي.  وكما لاحظ دفاع الطرف المدني، فإن توقف استنطاق الشرطيين له انعكاسات كبيرة على سير التحقيق. وسيظهر فيما بعد أنه إذا كان أمر بوشسيش قد حسم يوم 9 نوفمبر ، بالنسبة لقاضي التحقيق ، فإن الأمر بالاعتقال الصادر في حق أوفقير والد ليمي ، لم يصدر إلا يوم 20 يناير 1966 ، رغم أن دفاع الطرف المدني طاب بذلك منذ يوم 29 نوفمبر 1965.

برز أيضا البعد الحكومي في قضية بن بركة عندما طلب وزيرا الداخلية والوزير الأول للإدلاء بأقوالهما، فقرر مجلس الحكومة التستر بالمادة 564 من القانون الجنائي. ولم يستطع الطرف المدني توجيه أسئلته إلى ببومبيدو وفري إلا عبر الكتابة، بل إن الأسئلة الموجهة خضعت لمراقبة دقيقة من المحكمة. مست هذه الأسئلة جوهر قضية بن بركة في إطارها السياسي ، والمساعدة التي كانت عناصر المخابرات المغربية تجدها فوق التراب الفرنسي ، ومسؤولية بعض الشخصيات الفرنسية على ذلك. وكان أهم الأسئلة التي حذفت تلك المتعلقة بتقرير 22 شتنبر 1965، ودور بومبيدو وفري في عرقلة اتهام أوفقير ومن معه، إضافة إلى سؤال آخر  حذف متعلق بالبعثة الدبلوماسية التي أرسلت إلى المغرب يوم 4 نوفمبر للتفاوض حول مصير بن بركة.

ولاحظ دفاع الطرف المدني أن أجوبة الوزيرين كانت تنحو نحو الهروب من الموضوع الحقيقي ، وأن المسؤولين في الوزارة الأولى والداخلية لم يبلغوا الوزيرين بكل المعطيات في حيته . لكن دفاع الطرف المدني  ذكر بأن وزير الداخلية كان يملك معلومات هامة وكافية لاتهام أوفقير والدليمي وآخرين ظهيرة 3 نوفمبر 1965 . وعلى هامش هذه الملاحظة ، صرح المحامي ستيب أمام المحكمة بما يلي :

” Si monsieur le ministre de l’intérieur n’avait pas(…) pris cette regrettable initiative qu’il a prise le 3 novembre au soir  de n’inquiéter en aucune façon ,avant leur départ du territoire français ,Oufkir, Dlimi, Achachi et autres policiers marocains ?les assassins de M ben Barka seraient ici aujourd’hui , sur ces bancs.” ( Affaire Ben Barka. Témoignages et documents – p 48 )

في الندوة الصحفية التي أقامها دوكول رئيس الجمهورية الفرنسية، يوم 22 فبراير 1966، تحدث دوكول عن اختفاء بن بركة ولم يستعمل كلمة الاختطاف، أما والي أمن باريس فقد خاطب زوجة المهدي بن بركة بالأرملة، أي أن الأوساط الفرنسية كانت متيقنة من اغتيال بن بركة، ولم يتردد رئيس الجمهورية الفرنسية في اتهام وزير الداخلية المغربي الجنرال أوفقير في الوقوف وراء عملية الاغتيال.

منذ تاريخ اختطاف بن بركة والروايات تتوالى حول مصير جثته، لكن أهم ما في هذا المسلسل أنها بدأت قصة فرنسية، من خلال أطوار التحقيق القضائي الفرنسي وأطوار محاكمة الجنايات بباريس (1966-1967)، وكانت هناك محاولة إنهاء لهذه القصة التي طالت جدا، وشكلت جرحا عميقا في التاريخ السياسي ببلادنا، يتعلق الأمر برواية أحمد البخاري حول عملية اغتيال بن بركة ، والتي حولت الاهتمام والمسؤولية من الجانب الفرنسي نحو الجانب المغربي ، وكان يلح في عدد من الاستجوابات أن السلطات الفرنسية والأجهزة الأمنية لم تكن على علم بعملية الاختطاف ، ولعل هذا يثير في حد ذاته أسئلة متعددة حول رواية البخاري ، التي تزامنت مع الرفع الجزئي عن سرية الملف من لدن الحكومة الفرنسية في  يناير 2000 .

الحلقة الفرنسية في عملية اغتيال بن بركة

كان بحث الشرطة الفرنسية الأول ضعيفا كما وكيفا، ثم جاءت المحاكمة الأولى ، عبارة عن شهادات لم تؤد إلى إضاءة عملية الاختطاف والاغتيال. وبدا واضحا تهرب السلطات الفرنسية من الإجابة على تساؤلات الطرف المدني وعجز رئيس المحكمة عن استجواب الوزير الأول ووزير الداخلية، تحت طائلة سر يمس الدفاع الوطني أو سر المهنة أو الحصانة الدبلوماسية… لكن وصول الدليمي المفاجئ إلى باريس، أرجأ المحاكمة إلى حين إتمام التحقيق معه .

أدى التحقيق إلى الكشف عن امتدادات مشاركة عدد من المسؤولين الفرنسيين في عملية الاختطاف، وهذا ما  أعلنت عنه اللجنة من أجل الحقيقة في قضية بن بركة ، التي كانت وراء إصدار الكتيب، الذي نشر في سنة 1975 ، من لدن فدرالية الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بأوروبا . و أثار أعضاء اللجنة فيه مسؤولية فرنسا في عملية الاختطاف، وأضاف هؤلاء ، “إن كنا نؤكد على التذكير بالمسؤوليات في تفاصيلها، ،  في حالة محاكمة الليوتنان كولونيل الدليمي مع شركائه ، حتى لا يكون هناك منحى نحو النسيان أو التقليل من دور الأجهزة الفرنسية في القضية ، وتعطى الأهمية فقط إلى المجرمين من المغرب فقط”   ( Affaire Ben Barka. Témoignages et documents- ص19) كما نبه هؤلاء إلى مناورات الطرف المغربي في إلقاء المسؤولية على الجانب الفرنسي واعتبار عملية اختطاف بن بركة قضية فرنسية داخلية.

ضابط الشرطة سوشون

طرحت أسئلة عدة حول الانسياق السهل لبن بركة وراء سوشون ، الذي صرح فيما بعد أنه أثاء توجه الاثنين نحو السيارة ، خاطب بن بركة قائلا : فيما إذا كان هناك هدف آخر غير الفني ( الفلم) وراء حضوره إلى باريس. وهذا التصريح يفند ما فاه به سوشون من أنه كان يعتقد أنه حمل بن بركة إلى لقاء “سياسي” مع مسؤولين مغاربة كبار. وهذا التناقض في الأقوال يبرز من جهة أن الأسباب الحقيقية لاختطاف بن بركة كانت معروفة لدى سوشون، وأن الأوامر بعملية للاختطاف صدرت من سلطات عليا فرنسية، لأن شخصية سوشون، وفق شهادات متعددة ، كانت من النوع الذي يخلص في عمله ، وله ثقة في المؤسسة التييشتغل فيها.أصدر لويس سوشون كتابا ، تحت عنوان : أصمت أيها المتهم ، صدر سنة 1970، بباريس. ونقدم ما كتبه سوشون عن النقاش الذي دار بينه وبين رئيسه سيمباي يوم 4 نوفمبر:

…Le lendemain 4 novembre , peu avant midi, à mon grand soulagement ,M Simbille me donne rendez-vous. Dés que nous nous  retrouvons, j’interroge :

–          Alors patron, comme ça va pour Lopez?

Son visage revêt instantanément un masque que j’interprète  comme pouvant être celui de la commisération.

–          Mon pauvre Souchon, me dit–il d’une voix lasse , Lopez n’était certainement pas l’homme que vous croyiez …

–          Mon regard doit être suffisamment éloquent pour qu’à ma grande satisfaction il corrige lui-même ;

–   L’homme que nous suppositions tous…

Mon interlocuteur peut se permettre cette rectification pour la raison bien simple qu’il connaît assez bien Lopez; à différentes reprises nous avons assisté à des déjeuners d”affaires ” ensemble qui lui ont permis de se faire une opinion sur l’agent secret. J’ai pu me tromper sur son compte mais je ne suis pas le seul.

Pour ma part , j’ai  vite fait le tour de la question :

–          Ce qui veut dire que tout est foutu! Je n’ai plus qu’a me mettre une balle dans la tête…

Mais non , mais non, proteste–t-il aussi vivement  que sincèrement, je n’ai pas dit que tout est foutu , en tout cas pas pour vous. Lopez c’est une chose , et vous une autre / Puis d’abord ,vous ne ferez pas ce que vous dites , vous n’en avez pas le droit. A cause de votre famille surtout et aussi pour le gars Voitot . Je sais que vous ne le laisserez pas se débrouiller tout seul  dans cette panade.

Ces propos remplis de bon sens me touchent , j’acquiesce :

–          Et oui, vous avez  raison , même ça n’arrangerait rien !

–          Surtout , répond M. Simbille , que pour vous rien n’est perdu, bien au contraire .

–  Ah comment ça ? je ne comprends pas très bien.

–  Vous devez tout de mémé penser qu’il a été question de

vous dans les hautes sphères?

–          Je m’en doute un peu .

–          Tout le monde a parfaitement bien compris

–          Je suis de bonne fois dans cette histoire , vous le savez .

–          Bien sur, mon vieux, que je le sais . En tout cas à votre sujet, voila ce qui a été décidé . Au cas où un service quelconque quel qu’il soit, se proposerait de vous interroger sur cette affaire , vous ne savez rien.

Vous connaissez  Lopez bien entendu , mais  c’est tout . Il ne vous a jamais rien demandé  et vous ne lui avez jamais rendu aucun service . Vous n’êtes au courant de rien, c’est clair..

–          J’ai  très bien compris, patron ,ne vous inquiétez pas .

Ces instructions vient d’en haut?

–   En effet…

حول ” الاستنطاق ” الذي خضع له يوم 11 نوفمبر أمام المراقب العام بوفيي ، يذكر سوشون في كتابه الحوار الذي جرى بينهما  ( الترجمة):

–          ” سيدي المراقب العام ، أحرص على تنبيهكم أني لم أمنح ثقتي للوبيز الموظف بشركة إير فرانس ، ولكن للوبيز عميل السديك .

–          نعم، أعرف جيدا، لكن الحديث عنها مقلق، من الأحسن ، على ما أعتقد، استعمال تعبير عام.

–          لا أعرف ما هو هذا التعبير”

وبعد نقاش بين الرجلين ، تم الاتفاق على استعمال عبارة هيئة رسمية، وهو التعبير الذي ظهر في المحاضر الأولى ، وفي المقالات الصحفية ، التي كانت تغطي المراحل الأولى للتحقيق. ويضيف سوشون ، أنه عند الوصول إلى اسم Foccart ،  الكاتب العام للإيليزي ، تغيرت سحنة المراقب العام ، قائلا :

”  –   لو كنت في موقعكم ….فلن أتحدث عن هذه الشخصية …

–          إذا تحدثت عن هذا ، فلأنه طلب مني أن أقول كل شيء ، ولأن لوبيز تحدث عنه ، فأنا لا أخترع شيئا.

–          طبعا، لكن هذا مزعج.

–          لاأرى كيف أن الأمر مزعج؟ قالو لي أن أصرح بكل ما أعرف، وأني بدأت بهذا، إني أقول كل ما أعرف..

–       إني أفهم موقفك ، لكني لن أسجل هذا الاسم في محضر الاستماع، في كل الحالات ليس الآن….. كيف تريد أن تمد لك هذه الشخصية يد المساعدة فيما إذا ما ربطت الاسم ( فوكار ) مع هذه القضية ؟ “

وتابع سوشون اعترافاته بأنه كان أمام الأمر الواقع ، أي وضع ثقته في رؤسائه.

Louis Souchon : Accusé taisez vous. Editions de la table ronde. Paris .1970. pp 49-50 et 73-74. ( Voir Affaire Ben Barka. Témoignages et documents/ Paris / 1975)

أثناء المحاكمة سأل سوشون رئيس المحكمة ، وإذا قلت لك سيدي الرئيس أسماء رؤسائي، فأجابه الرئيس ، سأعتقلهم في الحال ، وإذ ذاك أطرق سوشون رأسه دون أن يقول كلمة. رغم أن المدعي العام قد رفض فيما بعد تصريح سوشون، عندما اشتد عليه الخناق، بأنه تلقى صباح يوم 29 أكتوبر 1965،مكالمة منمسؤول بالداخلية الفرنسية،  اسمه أوبير ، وفهم من ذلك أنه تلقى الضوء الأخضر من مراكز القرار،كما شرحنا ذلك سابقا ، واعتقد بحماية من لدن عدد من المسؤولين الذين أصدروا له الأوامر بالتعاون مع لوبيز. ولذلك ورد في المحاضر الرسمية أن سوشون لم يخبر رئيسيه سيمفيل وفيرني بمضمون هذه المكالمة، عندما اعترف لهما يوم 3 نوفمبر بمشاركته في اختطاف بن بركة؟ وعندما بنى المدعي العام في المحاكمة الثانية ، أواخر ماي 1967، مرافعته على المحاضر الرسمية ، انفجر سوشون صارخا بأن هذا لا يحتمل ، فأخرج من القاعة لفترة زمنية.

أبرز المدعي العام ، أن سوشون لم يكن ذلك الرجل البريء ، وأضاف إنه يدعي أنه حمل بن بركة إلى موعد سياسي، ولهذا السبب لبى طلب لوبيز، وتساءل ، هل المواعيد السياسية تتم على قارعة الطريق ، وببطاقة الشرطة؟ و لماذا تحدث سوشون إلى زميله فواتو عن عملية تستهدف محرضا، وربما تاجر مخدرات؟ ولكي يبرز المدعي العام أن سوشون كان متورطا في عملية الاختطاف استند إلى شهادة الطالب المغربي، الأزموري، الذي رافق بن بركة إلى الموعد المعلوم، فقد أدلى بشهادة يقول فيها ، إن سوشون عندما طلب من بركة مرافقته، توجه إلى الأزموري قائلا: Pas toi .

أما أهم ما جاء في أقوال رجل الشرطة الثاني فواتو ، فهو أنه سمع المختطفين الذين وصلوا إلى فونتني لو فيكونت وهم يتهامسون فيما إذا كان لازما طمأنة بن بركة ، بالقول أنه حمل إلى الفيلا لتجنيبه محاولة اغتيال . والحالة هذه هل كان بن بركة في حالة غيبوبة حينما حمل في سيارة الشرطة إلى فيلا بوشسيش؟

قد يكون هذا الاحتمال جائزا ، إذا ما أخذنا برواية بوريكات ، نقلا عن لوني وديباي وبوشسيش، عندما كانوا جميعا معتقلين في دار المقري، رواية مفادها أنه بمجرد ما أدخل بن بركة رأسه في السيارة ، سدد له لوني لكمات ، أفقدته الوعي.

أكدت التحقيقات فيما بعد أن سوشون تلقى مكالمة يوم 19 أكتوبر 1965،إما من لوبيز أو من ترجمان ، وهو يهودي مغربي، و صديق حميم لأوفقير ، وصل باريس يوم 13 أكتوبر، ونزل في فندق لوكران أوطيل دوري، الذي خرجت منه المكالمة الهاتفية نحو سوشون . أما البخاري فيقول في حق سوشون وفواتو أنهما كانا عميلين للكاب 1 ، وأنهما تلقيا رشوة مقابل العمل الذي قاما به من استدراج بن بركة نحو الفخ، لكن السياق الحدثي الذي ذكرناه يتعارض مع هذا الطرح المبسط من لدن البخاري. ( الاتحاد الاشتراكي 7 غشت 2001 )

إن استعمال شرطيين فرنسيين في عملية الاختطاف المباشرة، كان ضمانة لانصياع بن بركة لرجلي أمن فرنسيين، في الوقت الذي كان يحمل فيه جواز سفر دبلوماسي جزائري ،  ولولا تدخل الشرطة الفرنسية لما أمكن قياد بن بركة إلى الفخ الذي نصب إليه ، وإذا ما ربطنا هذا الاحتمال مع ما نشر حول تحذير كيرييل لبن بركة حول فريق العمل السينمائي الذي نسج حول بن بركة ، ربما فكر بن بركة حين تقدم إليه سوشون بأن ثمة مؤامرة كانت ستدبر له ، أو أن سوشون طلب منه مرافقته لوجود تهديد في حينه. حاولت الإدارة الفرنسية في البداية عرقلة البحث القضائي، لكن توالي الأحداث و”انتحار ” فيكون واختفاء عدد من المتورطين، أعطى لقضية بن بركة امتدادا في السياسة الداخلية لفرنسا، خصوا وأن الجنرال دوكول أحس بأنه مستهدف أيضا من فضيحة اختطاف بن بركة ، لأن عدد من الشهود وخاصة أصدقاء بن بركة في منظمة تضامن أكدوا أن الرجل كان على موعد في الإليزي صبيحة يوم السبت 30أكتوبر، لكي يقدم شروحا حول موقف اللجنة التحضيرية لمؤتمر القارات الثلاث ، من عدة قضايا، وتكمن في هذه النقطة بالذات مصالح عدد من المؤسسات الفرنسية الأمنية والاقتصادية، التي كانت ترى خطرا في انفتاح مؤتمر القارات الثلاث على فرنسا الديكولية.

كتب كلود أنجيلي مقالا، نشر في  مجلة نوفيل أوبسرفاتور( عدد 66. 16-22 فبراير 1966) ، في انتظار الندوة الصحفية التي عقدها دوكول رئيس الجمهورية الفرنسية يوم 21 فبراير حول قضية بن بركة. كان عنوان المقال : ” هل سيقول دوكول ما يعرف؟” وكتب الصحفي أنجيلي أن رئيس الجمهورية يعرف المصير الذي آل إليه بن بركة، ويعرف أيضا أن وزير الداخلية روجي فري  يحمي المحامي والبرلماني الدوغولي  بيير لومارشان ، ويعرف أن مارسيل لوروا قد قدم كبش فداء في هذه القضية،  ويعرف أخيرا أن لقاء تم بين عميد الاستعلامات العامة كاي وجورج فيكون ، عضو عصابة باريس المنفذة لعملية اختطاف بن بركة.

أصدر دفاع الطرف المدني بلاغا ، نشر في جريدة لوموند بتاريخ 26 فبراير 1966، يضع فيه اختطاف بن بركة في إطار مسؤوليات فرنسية ومغربية متعددة.

أنطوان لوبيز

لم ينفك أنطوان لوبيز منذ شهر أكتوبر 1965 ، وإلى أيامنا هذه من إثارة الانتباه إليه سواء من حيث حجم و أهمية الدور الذي اسند له في عملية ينبئ في كل مرة انه سيقول الحقيقة وتظل تصريحاته أقرب إلى الابتزاز ،عوض تفاصيل جديدة يمكن أن تكشف عن تفاصيل العملية من اختطاف واغتيال وعن مصير جثة المهدي بن بركة. وظهر منذ المحاكمة الأولى أن لوبيز لعب دور الوسيط في كل العلاقات التي كانت قائمة بين الجانب المغربي وعدد من رجال العصابة التي نفذت الاختطاف. كانت له علاقات متشعبة وعميقة بين جل الأطراف المتهمة في عملية الاختطاف ، وقد تنبه عدد من محامي الطرف المدني،كبريكويي وستيب، إلى شخصية لوبيز المعقدة بل إن أحد ضباط الشرطة وهو العميد كولون يرجح أن الرجل كان يحمل عدة ولاءات.

كان موظفا مسؤولا في مطار أورلي  و يدير مصلحة من 500 موظفا . كان أيضا رجلا ” متطوعا ” في جهاز المخابرات الفرنسية S.D.E.C.E (مصلحة المستندات الخارجية ومكافحة التجسس) وكان يعتقد أن الخدمات التي يقدمها للمخابرات الفرنسية تحميه من أي ملاحقة قضائية. وأدلى المراقب العام للأمن بوفيي في شهادته أمام المحكمة أن لوبيز وهو على وشك السقوط، كان يعول على تدخل مصالح المخابرات لإنقاذه. وبقدر ما كان الرجل في علاقات جد وثيقة مع عدد من المسؤولين الفرنسيين، كان في نفس الوقت مرتبطا بأسماء لامعة في عالم الإجرام ، وهكذا كان بوشسيش ، الذي سيسخر سكناه لاحتجاز بن بركة ، صديق لوبيز منذ عهد الطفولة وعلاقة الطرفين علاقة شبه عائلية لقرب سكناهما ، لوبيز في أورموا ، وبوشسيش في فونتني لوفيكونت ، وارتبط لوبيز بفيكون، من أصحاب السوابق القضائية ، عن طريق بوشسيش ، الذي ربط له أيضا علاقات مع عدد من المشبوهين ، والذين ستظهر أسماؤهم فيما بعد كمتورطين في عملية اختطاف واغتيال بن بركة، مثل باليس و لوني و دوباي و جو عطية وآخرين . وقد كتب لوبيز إلى ” رئيسه” لوروا  أن هذه العلاقات هي التي مكنت الجنرال أوفقير من خدمات مثل ” وضع حد لمعارضة بن بركة بطرق غير أرثوذوكسية”، وهي الجملة التي وردت في أحد التقارير التي رفعها لوبيز إلى ” رؤسائه” في مصالح المخابرات، والتي يعود تاريخه إلى 17 ماي 1965.  كان لوبيز أيضا على ارتباط بالشرطة القضائية، ومخبرها، وذلك منذ سنة 1962 ، حيث أعلمت مصالح المخابرات عميلها لوبيز بالتعامل مع الشرطة في ميدان محاربة المخدرات، واستغل لوبيز هذا لربط علاقات وثيقة مع عدد من رجال الشرطة. وهذه الاختراقات ولف شبكات من كل الأنواع، هي التي ساعدت لوبيز على فتح أبواب. وهي علاقات غير عادية بين رجال الشرطة وعميل،  كما لاحظ ذلك عميد الشرطة بوفيي أثناء المحاكمة. إن وضعية لوبيز لا يمكن أن تخفى على ” المسؤولين الكبار” ، وقد يكون الرجل الشخص الأمثل لتنفيذ مخطط دقيق جدا. هذه العلاقات هي التي يسرت الارتباط الذي حصل بين لوبيز وسوشون، الشرطي الذي اختطف بمعية فواتو المهدي بن بركة ، وحملت السيارة السوداء التي تم بها الاختطاف كلا من لوبيز وسوشون وفواتو وصاحب السوابق لوني ، أي معارض سياسي يختطفه رجل عميل للمخابرات الفرنسية بصحبة مجرم وشرطيين وهي علاقات تزكم الأنف بالضرورة.

الأدهى من هذا وذاك أنه تحت إلحاح سوشون، وهو رئيس الكتيبة الخاصة بشرطة مكافحة الإجرام، اقتنى بوشسيش ولوبيز أسهما في فندق يسمى  l’Unic Hôtel، الذي أضحى قاعدة، موجهة مبدئيا لتنظيم مراقبة مكافحة المخدرات.  زرع في هذا المكان أحد المخبرين للكشف عن المعلومات المتعلقة بالمشبوهين، ومن غرائب الصدف كما كشفت التحقيقات والشهادات فيما بعد، أنه في هذا الفندق نزل عدد من المغاربة الذين ستذكر أسماؤهم الحقيقية أو المستعارة، والذين شاركوا أيضا في عملية الاختطاف.وبرزت أهمية الفندق عندما وجه دفاع الطرف المدني الأستاذ مشيل بوفييارد، أسئلة حول الموضوع إلى المتهم سوشون، لكن رئيس المحكمة سمح للمتهم بعدم الإجابة حول أسئلة الدفاع لأن ذلك سيضع حياة عدد من الأشخاص في خطر. من الأشياء الملفتة للانتباه، أن الحلقة التي أشرفت على تنفيذ عملية الاختطاف، هي التي شكلت تقاطعا بين أجهزة المخابرات الفرنسية والشرطة.

تكتمل الرؤية عندما نعلم أن لوبيز كان صديق الجنرال أوفقير، وضيفه عندما يحل بالمغرب ، وأثبتت التحريات فيما بعد أن لوبيز زار المغرب ثمانية مرات في الزمن الممتد بين 2 أبريل و 30 شتنبر 1965 . بل إن أوفقير تدخل لدى زميله الفرنسي فري لنقل لوبيز إلى المغرب، وربما بهذا الوعد أمسك أوفقير بصديقه لوبيز جيدا، الذي أصبح في وضع الاستجابة المطلقة للجنرال أوفقير.

جاء في التحقيقات أيضا أن لوبيز وإن كان يشتغل لصالح أوفقير ، فإنه لم ينسى أنه عميل للمخابرات الفرنسية ، والتي كان يزودها من حين لآخر بصور للوثائق المغربية التي تمر من مطار أورلي ، وإخبار مصالح المخابرات الفرنسية من خلال عدد من التقارير، التي ستكشف أثناء التحقيق والمحاكمة ، بمخطط أوفقير ومن معه بالتقرب من أوفقير قصد وضع حد لمعارضته” بطرق غير أرثوذوكسية” ولعل لوبيز وهو العارف بخطورة اتصالاته كان يقصد في نفس الوقت حماية نفسه في حالة تفكير الطرف الآخر من التخلص منه ن كما وقع فيما بعد لعدد من شركائه في عملية اختطاف واغتيال بن بركة

لوبيز أيضا ودائما كانت له روابط خاصة مع الضابط المكلف به داخل أجهزة المخابرات الفرنسية، ويتعلق الأمر بلوروا (فينفيل) .جاء في شهادة الجنرال جاكيي ، رئيس مصالح المخابرات ، أن تلك العلاقة غير طبيعية بين مسؤولية الضابط مع مخبره. وكشفت التحقيقات والمقالات الصحفية التي واكبت المحاكمة ، أن لوروا حينما أصبح رئيس وحدة الدراسات والمعلومات (المصلحة7) مكلف بالبحث وجمع المعلومات ، التابعة لمصالح الكولونيل بومون، مدير ” البحث والتحري ” ، كان من المفروض أن ينفصل عن لوبيز ، ولعل هذه المعطيات تكشف على أن الهدف المرسوم لاغتيال بن بركة كان يقتضي الإبقاء على العلاقة ، وإن كان هذا صحيحا فمسؤولية اختطاف واغتيال بن بركة لها امتدادات عميقة داخل أجهزة الدولة الفرنسية ، وهو الملف الذي كان يشهر في وجه فرنسا كلما احتد النقاش حول القضية ، خصوصا في السنوات التالية لعملية الاختطاف ، وربما يفسر هذا أيضا نوبة الغضب التي اجتاحت رئيس الجمهورية الفرنسية  ، الجنرال دوكول ، حينما نزع مصالح المخابرات من الوزير الأول بومبيدو ، وإلحاقها بوزارة الجيوش ( الدفاع) ، وهو الانتقال الذي سمح بالكشف عن جزء من أسرار العملية ، ولم يتردد دوكول، في ندوته الصحفية المشهورة ليوم22 فبراير 1966 ، ( لوموند 23 فبراير 1966) ، في اتهام وزير الداخلية المغربي الجنرال أوفقير بالوقوف وراء اغتيال بن بركة.

عندما سمع لوروا بتصريح لوبيز حول تورطه في اختطاف بن بركة ، قال للصحفيين، بأن هذه التصريحات كاذبة، وانتهى إلى القول :” السؤال الوحيد الذي يطرح نفسه في الواقع ، هي أن نعرف إلى أين نريد أن نعود بواسطة هذه المناورات، ولدي إحساس أن هناك بحثا على شيء يتجاوزني شخصيا”. إن صاحب هذا التصريح رجل مخابرات ، وقد وعى بعد سقوط لوبيز ، وتصريحات مسؤولي المخابرات الفرنسية ، خاصة تصريحات بومون، رئيسه المباشر ، انه ولوبيز وبعض ضباط الشرطة قد قدموا أكباش فداء.

بعد سبع سنوات على اختطاف بن بركة ، صرح أنطوان لوبيز لجريدة فرانس سوار، ليوم 31 ماي 1972 ، بأنه إذا أرادوا أن يعرفوا ما وقع ، فلينتظروا ، وأنه تلقى عرضا من منتج سينمائي لإنجاز فلم حول الموضوع ، وأن كل واحد سيوضع في المكان المخصص له، وهذا التصريح هو أقرب إلى التهديد من كشف “الحقيقة” ، ولذلك بادره الصحفي : إذن قل لنا الحقيقة، فانفجر لوبيز غاضبا : لقد قلت الحقيقة ، كنت أقولها دائما ، لكنها تضايقهم ، وأضاف :

” Quand je l’ai vu ( Ben Barka) pour la dernière fois , le 29 octobre 1965, vers 15 heures, à Fontenay-le-vicomte, il terminait de déjeuner. En bout de Table , à la place d’honneur, en complet gris, souriant, il conversait amicalement avecBoucheseiche , le maître de maison. Il y avait aussi Figon. Ben Barka m’a semblé avoir la situation en mai. Il n’était pas inquiet”

إذن هذه شهادة لوبيز ، يجب أن تأخذ بحذر لأنه كان يطلق عليه “الصابونة” ، يقول فيها أنه في يوم 29 أكتوبر 1965، كان بن بركة  جالسا هادئا في صالون فيلا بوشسيش  ، وكان بصحبة بوشسيش وفيكون. إن الزمن الذي أطلق فيه لوبيز هذه التصريحات ، كان أوفقير حينها يعد العدة لمحاولة الانقلاب الثانية ، وبما أن لوبيز كان صاحب التصريحات التي استندت إلى التهديد والابتزاز ، ألا يمكن أن نقرأ في ذلك خطابا موجها إلى صديقه القديم أوفقير ، حينما يقول في تصريح 31 ماي 1972 ، أن بن بركة ربما في مكان ما ، توفي مكبلا في إحدى مخابئ فيكون…

جورج بوشسيش

حبكت الحبال حول عنق جورج بوشسيش ، الذي هيأ”فيلته” لاحتجاز بن بركة، من خلال الأبواب التي فتحها له لوبيز في المغرب.  صرحت زوجته لعدد من المنابر الإعلامية، أنها هي و زوجها و لوبيز زاروا المغرب في بداية شهر يوليوز، وتم ” شراء ” أوطيل في اسم زوجة بوشسيش في الدار البيضاء ، بمساعدة رجال المخابرات التابعين لأوفقير. لقد أطلقت  زوجة بوشسيش تصريحات عدة ، بعد ” اختفاء ” زوجها إثر فشل محاولة الانقلاب الثاني في غشت 1972. قالت للصحافة : ” نعم لقد اختفى زوجي ، ليس الأربعاء الماضي ( 16 غشت 1972) ، بعد موت أوفقير، ولكن بالضبط يوم 19 مارس 1972..” وأضافت أنه بعد ” وفاة ” أوفقير أبلغها أصدقاء متمكنين من المعلومات بأن جورج بوشسيش قد توفي. ، وقالت إنه مات في سجنه ، وأنها لم تتلقى أي خبر منه منذ مارس 1972 . واتهمت زوجة بوشسيش الكولونيل الدليمي بأنه وراء كل ذلك. ثم أضافت : ” هذه كل قصتي، فقبل خمسة أشهر ، مما سيطلق عليه فيما بعد قضية بن بركة، اشتريت فندقا بالدار البيضاء، Le Grand Hôtel ، زنقة عبد الكريم الديوري، يحتوي على خمسة وعشرين غرفة. كوننا شركة مجهولة الاسم، ولكني أملك إلى يومنا هذا كل الأسهم. كنت أراقب بنفسي عملية تجديد الفندق . في غيابي لم يكن باستطاعة جورج استقبال أي أحد دون رضاي. واختفى جورج بعد ذلك ، انطلاقا من أجوبة رسمية من الشرطة، كانت فرنسية أو مغربية، قيل ، لا أحد رآه.   وأقول أنا ، بأني التقيته مرارا بالمغرب حيث استقر هناك بعد هربه ( من فرنسا ) . كان متسترا في البداية .”

أضافت هذه السيدة أنه بعد عودة الدليمي إلى المغرب وتبرئته من محكمة الجنايات بباريز ، تغيرت الأشياء بالنسبة لبوشسيش، فقد طلب الدليمي من زوجها أن يتكلف بالفندق ، لكن دون الحاجة إلى زوجته.، وطلب مني أن أعود إلى باريس ، وأن بوشسيش كان يهاتف زوجته مرارا، أو أنها كانت تلتحق به في إقامات في الأحياء الراقية بالرباط، وكان آخرها فيلا بتمارة ، إقامة كبيرة بمسبح، وأن زوجها أخبرها أن الفندق أصبح لا يدر شيئا. ولكنه اكتشفت فيما بعد أن المداخل كانت هامة ، ولكن كان كل شيء تحت مراقبة الدليمي، ولم يعد رجلا حرا ، فقد أوكل إليه الدليمي بحراس دائمين، وأضافت زوجة بوشسيش أنه هو الذي أمر بسجن زوجها في مارس 1971 ، وتم نهب فيلته. وبعد أن انتظرت طويلا قررت الذهاب إلى المغرب لبيع الفندق و الاتصال بالجنرال أوفقير ، الذي اعتبرته زوجة بوشسيش رجلا يلتزم بكلمة الشرف. وصلت هذه السيدة إلى الرباط ، وفق روايتها ، يوم الجمعة ، وفي صباح يوم الاثنين طردت من المغرب ، وأنه لم يعد لها أي حق في الفندق لأنها أمضت وكالة….       (Philipe Bernert –   L’Aurore.24 /8/1972 )

لكن الجنرال أوفقير صرح لثلة من الصحفيين بالرباط يوم 17 نوفمبر 1965، بخصوص بوشسيش، أنه تلقى أمرا من وزير العدل لاعتقال بوشسيش، وأنه أعطى أوامره للمصالح المختصة، وأنه سيذهب بعيدا في هذه القضية، وإذا كان بوشسيش في المغرب فلن يفلت من الاعتقال. ( لوموند 18 نوفمبر 1965) . يظهر إذن تناقض كبير، بين ما صرح به أوفقير حول هذا الموضوع، من جهة، و شهادة زوجة بوشسيش سنة 1972 ، وأيضا شهادات أخرى ،  تؤكد على وجود صاحب الفيلا التي احتجز فيها بن بركة بالمغرب ، الذي التجأ إليه أوائل نوفمبر 1965. روى بوريكات عن مصير بوشسيش ما يلي : ” لقد تمت تصفيتهم في معتقل آخرPF2 ،(…) ودفنوا في PF3 ، لقد تم دفن بوشسيش يوم 29 أكتوبر 1974 وديباي ولوني لاحقا، وكنت شاهدا رفقة إخوتي والمانوزي وعقا وعبابو على عملية دفن بوشسيش” ( الصحيفة، عدد 27. 20-26 يوليوز 2001).

جورج فيكون وعميد الاستعلامات العامة جان كاي والمحامي لومارشان

تردد أيضا اسم فيكون كثيرا في قضية المهدي بن بركة سواء في  الإعداد للاختطاف أو بعده ، وأيضا بالمصير الذي انتهى إليه :الانتحار وفق رواية رسمية ، الاغتيال ،حسب رواية أخرى. وقد خصص بيير بن إشو مقالا  حول فيكو ، في مجلة نوفل أوبسرفاتور،عدد 64، 2-8 فبراير 1966 . يحكي الصحفي أن فيكون ترك 4 تسجيلات ، منها واحدة تخص اختطاف بن بركة. تلقى هذا الصحفي يوم 8 نوفمبر مكالمة من فيكون ، يود فيها مقابلته ، وقد حكى فيكون لبن إشو عن أوفقير ، وأضاف : ” لا يمكن لك أن تتصور أن كيف كان ( أوفقير) يرسم في حلق بن بركة بضربات قصيرة، هكذا، ويشتمه  بالعربية في نفس الوقت.” فقاطعه الصحفي : ” إذن مات بن بركة ؟ فأجاب فيكون:أتمنى ذلكن هذا نعم أتمنى ذلك ، وسأكون متطوعا لإطلاق رصاصتين على رأسه، قد وضعنا في مشكل…” .تابع الصحفي حديثه ، بأنه علم بأن فيكون التقى ظهيرة ذلك اليوم الصحفي جان مارفيي ، وأنه ثلاثة أيام بعد ذلك سيجل اعترافات فيكون ببطاريات ضعيفة ، وشريط مهترئ ، فجاءت التسجيلات القديمة والحديثة متداخلة وغير مفهومة.

انخرط فيكون في قضية بن بركة بطريقة مباشرة بواسطة عصابة من عالم الانحراف في فرنسا ، كان صديقا لجوليان لوني، وهو الذي أدخله إلى جماعة باريس : جو عطية وبوشسيش وديباي و سارتور وباليس( وكلهم متورطون في اختطاف بن بركة) . كان فيكون مع أصدقائه الجدد ينفذون عملية تهريب الأموال من المغرب والجزائر نحو أوربا  ، ويختم الصحفي مقاله عن فيكون، بأنه رآه لآخر مرة يوم 5 يناير 1966 بملتقى  مونسينيي وسان أوغستان حوالي الساعة الواحدة والنصف ظهرا ، قال له وهما يلجان مطعما بعين المكان : اقرأ صحافة الجمعة المقبلة، سترى، سيتحولون إلى مجانين. لكن نشر اعترافات فيكون بدأت في الظهور يوم 7 يناير ، بدأ أولا باتهام عميد الشرطة والمراقب العام بوفيي ، أي أن اتهامات فيكون مس أجهزة الأمن أولا ( يلتقي سوشون وفيكون في اتهام بوفيي، الذي أصر على عدم ذكر اسم فوكار في عملية الاختطاف، وهو بالمناسبة الكاتب العام للقصر الجمهوري ) . بعد 10 أيام من بدإ نشر الاعترافات وفي ليلة الاثنين 17 يناير وصباح الثلاثاء 18 ، أعلن عن انتحار فيكون ، رواية لم يكن الصحفي بن إشو مقتنعا بها ، نظرا لمعرفته لفيكون منذ 1961، فقد قال له مرة وهو يتحدث عن الذين ينتحرون بالأقراص المنومة، أن هذه طريقة انتحار خاصة بالنساء ، أما إذا أراد أحد أن ينتحر عليه أن يدخل فوهة المسدس في فمه ويضغط على الزناد . هذه رواية فيكون كما نقلها بن إشو عن الانتحار . لكن الرواية الرسمية قالت أن فيكون أطلق رصاصة على صدغه ، وبين الروايتين بون كبير. ولم يقتنع أحد بقصة الانتحار . فهل أسكت صوت فيكون لأنه أظهر منذ البداية انه عنصر قد يفضح المستور أو أن تصفية فيكون كانت رسالة إلى كل الذين اعتقلوا، وكانوا حينها يخضعون للتحقيق أمام القاضي زولنجر؟ هل لهذه الأسباب انحصرت الاتهامات المتبادلة فقط بين عناصر الشرطة والاستعلامات العامة والمخابرات؟

نجد معطى هاما في المقال الذي نشر في مجلة نوفيل أوبسرفاتور ،2-8 فبراير 1966 ، تحت عنوان: Le “couac” de François Mauriac ، وعلى هامش انعكاسات قضية بن بركة على مجموعة فرانس-مغرب ، اتصل وزير الداخلية فري بفرانسوا مورياك ، الشيء الذي أثار كل المتعاطفين مع قضية بن بركة ، وأثناء الأخذ والرد ، صرح مورياك بأن وزير الداخلية يتهم المخابرات الأمريكية C.IA بأنها وراء مقتل فيكون . وإذا كان هذا صحيحا ن فقناعة وزير الداخلية الفرنسي آنذاك كانت تستبعد انتحار فيكون. وأن عملية القتل استهدفت إسكاته ، لأن اتصالاته تعددت مع الصحفيين.، والكشف عن مكونات الأجهزة الأمنية والسياسية التي اتصلت بلوبيز لتنظيم عملية الاختطاف.

نستطيع أن نفهم دور فيكون من خلال العلاقات التي كانت تربطه بالطرف الآخر، ويتعلق الأمر من جهة بعميد شرطة الاستعلامات جان كاي ، الذي أدار البحث غداة اختطاف بن بركة بشكل غريب ، ومن جهة أخرى بالمحامي البرلماني لومارشان الذي له علاقة حميمية مع جورج فيكون . فقد ورد في مقال صحفي رئيسي خصصته نوفيل أوبسرفاتور ، عدد 2-8 فبراير 1966، لعميد الشرطة كاي( مقال كلود أنجيلي: Un commissaire politique  )،  انه كان صديقا مقربا لروجي فري وزير الداخلية الفرنسي ، وصديق موريس بابون ، حيث شوهدا معا يتناولان العشاء ليلة موت فيكون ، وفي نهاية المطاف كان كاي أيضا صديقا للمحامي لومارشان. كان عميد الشرطة جان كاي ، مديرا مساعدا للاستعلامات العامة بولاية باريس ، ورئيس الشعبة الثانية ، المكلفة بالشؤون السياسية والاجتماعية ، ويتصرف في معلومات تجمع حول المجتمع السياسي والنقابات والجمعيات وعالم الصحافة،من خلال مخبرين مندسين في كل المؤسسات. ولذلك كان يعرف جل ما يجري في ولاية أمن باريس ، ولا غرو أن يكون الرجل أول من ” قاد ” البحث في بدايته بعد الإعلان رسميا عن اختطاف بن بركة في باريس. والتقى بفيكون أربعة أيام فقط على اختطاف بن بركة، وعلم بما فاه به فيكون في ليلة 29 و 30 أكتوبر حول العملية ، فالتجأ إلى لومارشان ، ربما لمحاصرة فيكون ، لأن لسانه تحرر في حانات باريس. ربما أيضا من باب الصدف أن يكون كاي الضابط الذي تسلم الكولونيل أركو،( أحد الضباط الفرنسيين المتمردين ضد استقلال الجزائر)  الذي اختطفه رجال المحامي لومارشان من ميونيخ وحمل حيا إلى فرنسا مخدرا، أي نفس السيناريو الذي كان محضرا للمهدي بن بركة . فهل تمت الاستعانة بنفس الفريق الذي اختطف الكولونيل أركو ، لعمل نفس الشيء مع بن بركة. لقد اشترك في هذه العملية السياسيون و رجال المخابرات الخارجية والاستعلامات العامة والشرطة و نفذها رجال الانحراف والإجرام؟

ماذا جرى إذن صبيحة يوم 2 نوفمبر عندما التقى عميد الاستعلامات العامة كاي بجورج فيكون ؟ جرى حديث بين الاثنين ، لينصرف بعدها فيكون في حالة اطمئنان تام ، بل كما بيننا أعلاه ، وكما أشار إلى ذلك عدد من المحامين ، كان فيكون عمليا تحت حماية الشرطة، ولم يعتقل، في الوقت الذي كان على كاي، إصدار الأمر باعتقاله نتيجة المعلومات التي أسر بها فيكون لكاي. ولو فعل ذلك لأخذت قضية بن بركة مجرى آخر. وفي هذه النقطة بالذات حددت مسؤوليته من طرف المتتبعين للقضية في فرملة فيكون . سنلاحظ أيضا أن عميد الشرطة سيمباي رئيس الشرطي سوشون قد نحى نفس المنحى ، إذ عمل على طمأنة سوشون بأنه تحت حماية جهات عليا ، وسمع سوشون نفس الخطاب بعد لقائه بالمراقب العام بوفيي.

لكن التفسير الرسمي للقاء كاي بفيكون جاء بالرواية التالية : حينما ولج كاي مكتبه في صباح يوم الاثنين 1 نوفمبر ، وبعد أن علم باختطاف بن بركة في باريس ، تلقى مكالمة من مجهول ، ومحتواها أن فيكون متورط في القضية. وسيصرح المحامي والبرلماني لومارشان فيما بعد أن كاي أحال هذه المكالمة إلى الصحفي فليب برنيي ، الذي اعتقل بدوره لمشاركته في الإعداد للاختطاف. لكن المقال الصحفي الذي نشرته نوفيل أوبسرفاتور ،يسرد رواية أخرى، وهي أنه في مساء يوم 30 أكتوبر تلقى كاي مكالمة من صديقه وزير الداخلية روجي فري ، يطلب منه ” التحري” في موضوع الاختطاف . يوم 1 نوفمبر اتصل كاي بصديقه الآخر المحامي لومارشان ، وطلب منه العثور على فيكون، وإذا ما ربطنا هذا  بما ذكرناه حول يوم 30 و31 أكتوبر ، حين توصل كاي بمعلومات من مخبريه حول ما تحدث عنه فيكون في حانات باريس ، بخصوص اختطاف بن بركة، فإن كاي قد  أسر لوزير الداخلية بما يعرفه عن القضية منذ 30أكتوبر، وأن طلب وزير الداخلية في البحث( عن فيكون) جاء نتيجة معلومات كاي. لم يتوقف فيكون عن “الكلام” حول موضوع بن بركة ، فاتصل كاي بالمحامي لومارشان، يوم 1 نوفمبر،  وطلب منه أن يجد فيكون. وقع لقاء في منزل لومارشان  يوم الثلاثاء 2 نوفمبر 1965 ، في الساعة الحادية عشرة ، حضره المحامي والنائب البرلماني لومارشان وعميد الاستعلامات العامة جان كاي و فيكون . حكى فيكون كل ما يعرفه عن القضية ، وأنه شارك في اختطاف بن بركة الذي اعتدى عليه أوفقير وأصابه بجروح، وأنه حين غادر فيلا بوشسيش كان بركة حيا. ويضيف مقال الأوبسر فاتور ، أن اتفاق وقع بين فيكون و كاي و لومارشان على أن فيكون لن يتعرض للبحث من لدن الشرطة. وصرح كاي أمام المحكمة أنه أخبر وزير الداخلية روجي فري و سيمفاي مدير ديوان والي أمن باريس وعميد الشرطة القضائية مارشان ، لكن عميد الشرطة بوفيي، وكما أشرنا إلى ذلك من قبل ، لم يصدر أمرا لاعتقال فيكون إلا يوم 6 نوفمبر 1965. وربما هذا الشيء أثار فيكون الذي اعتبر ذلك إخلال بالاتفاق الذي وقع بينه وبين صديقه لومارشان وكاي، وهو ما دفعه لإدلاء بتصريحات متتالية حول عملية الاختطاف ، وتذمره من المحامي لومارشان ، الذي كان يعتبره صديقا. وتسارعت الأمور كما شرحنا ذلك من قبل ، في دور كاي في توجيه البحث سواء لدى الشرطة أو عند اتصاله بلوروا ، في نفس اليوم الذي التقى فيه لوروا في مطعم يلتقي فيه عادة عناصر الأجهزة الأمنية بباريس. . وكما نبه إلى ذلك مقال الأوبسر فاتور المذكور أعلاه ، فإن كاي صرح أمام المحكمة أنه أخبر كافة المسؤولين ، ولم يفصح أمام المحكمة عن أسماء أولئك الذين أمدوه بمعلومات حول قضية بن بركة ،بدعوى الحفاظ على السر المهني، لكن المقال ذكر في النهاية، بالمادة 50 من القانون الجنائي ، الذي ينص على أن أي ضابط في أجهزة الأمن اطلع على تفاصيل جريمة ، عليه أن يخبر وكيل الجمهورية ، وهو الشيء الذي لم يفعله كاي، الذي ربما فضل هذا الحل، وعقابا قد يصل إلى ثلاث سنوات سجنا، عوض أن يقول الحقيقة التي تزن أكثر من هذه العقوبة السجنية.

كان لومارشون في نفس الوقت صديق فيكون المجرم، وكاي عميد الاستعلامات العامة وفري وزير الداخلية  ، كان لومارشون ينتمي إلى الحزب الديغولي ، واعتبره البعض رئيسا لعصابة من المنحرفين ، الذين كانوا يوظفون في قضايا سياسية. حاول المحامي والبرلماني أن ينكر أي علاقة مع رجال عصابات ، فقد صرح للقاضي زولنجر و للصحافة غداة انفجار قضية بن بركة أنه لم ير فيكون منذ 22 شتنبر 1965، لكن بعد اكتشاف علاقاته المتعددة ، حول النقاش إلى الحلبة السياسية ، وأعلن أنه يتعرض لهجوم لأنه صديق وزير الداخلية . كشفت مجلة الإكسبريس في عدد خاص حول بن بركة، عن معلومات هامة وردت على لسان لومارشان . روى الصحفي جاك دروكي أنه كان على موعد مع فيكون يوم 14 دجنبر 1965 ، لكن الرجل لم يحضر . بعد ذلك وجد نفسه أمام صديق لفيكون ، ليقول له : ” إن فيكون لن يحضر ،  لقد “استرجعه ” لومارشون ، أخبرني بذلك صديقه سيرج الأرميني، الذي اقتسم مسكنه مع فيكون ، إنللومارشون علاقات متعددة ، لا نستطيع مواجهته دون خطر..” . وأضاف الصحفي أن لومارشان اشتكى من القاضي زولنجر لصديقه وزير الداخلية ، وإثر ذلك استدعي وزير العدل القاضي إلى مكتبه .

رفع لومارشان قضية ضد مجلة الاكسبريس ، وفي نفس الوقت طلب لقاء مع طاقم المجلة، وتم اللقاء في مطعم “لادوفين” . كان هذا اللقاء الأول بين  لومارشون و دوروكي من مجلة الإكسبريس . حكى المحامي والبرلماني الديغولي أن لا يد له في اختطاف بن بركة، واتهم مصالح المخابرات الفرنسية ” السديك” بأنها أرادت أن تضرب عصفورين بحجر واحد ، تسليم بن بركة إلى المصالح الخاصة المغربية ، وفي نفس الوقت المس بعدد من الديغوليين لأهداف سياسية ، لأن هناك جناح داخل المخابرات الفرنسية ضد سياسة ديغول. واعترف لومارشان بأنه رأى فيكون بعد الاختطاف ، لكنه يلتزم بالسر المهني . في نفس العدد ذكر الصحفي جان مارفيي، أنه أمضى مع فيكون آخر ظهيرة له في هذا العالم ، أي يوم 17 يناير 1966 ،  ساعات معدودة من موعد موته ، صرح للصحفي بأن المحامي لومارشون وعميد الاستعلامات العامة جان كاي يريدان موته.

يشبه فيكون إلى حد ما لوبيز في اللعب بالتصريحات من أجل جلب مكاسب ما ، و الظاهر أن اغتيال أو موت فيكون ، كان من وراءه تحذير الآخرين من نفس المصير، إن أطلقوا العنان لألسنتهم ، وهذا ما نستنتجه من تصريحات عدد من المتهمين ، الذين فضلوا تحمل المسؤولية فيما هم متهمون فيه عوض الكشف عن التراتبية في تسرب قرار تصفية بن بركة داخل الأجهزة الأمنية الفرنسية المختلفة.

داخل تصريحات فيكون المختلفة استمعت المحكمة إلى رسالة من عشيقة سابقة، وجهتها إلى القاضي زولنجر يوم 17 فبراير 1965 ، وقرأت في جلسة 20 شتنبر 1966. وأهم ما جاء في هذه الرسالة أن فيكون التقى بلوبيز في نفس اليوم مباشرة بعد الغداء في مطعم دو ماكو ، حيث ترك سيارته قبل ذلك ، لينقل بن بركة في سيارة الشرطة إلى فيلا بوشسيش ، وقال لوبيز لفيكون أن كل شيئ مر على ما يرام ، وأن بن بركة تحت تصرفه. وإثر ذلك توجه فيكون إلى فونتناي ، ليلتقي هناك لوني.

في ملفات المحاكمة الأولى ، توجد شهادة لسيدة ممثلة،  تدعى آن ماري كوفيني، كانت لها علاقة بفيكون في زمن اختطاف بن بركة ، وقد سبق للشرطة أن استمعت إليها ، وكما ورد في جريدة لوموند بتاريخ 28 يناير 1966، أنها تعرف فيكون منذ الصبا ، وأنه زارها عدة مرات منذ شهر نوفمبر ، وأدلى لها بمخاوفه من التعرض لعملية اغتيال. أدلت نفس السيدة أمام محكمة الجنايات بباريس ، في جلسة الجمعة 30 شتنبر 1966 ، ذكرت هذه السيدة ، أن فيكون حكى لها أنه ذهب في طاكسي وحيدا إلى فونتناي ، لتسلم نصيبه من المال، وأن بن بركة كان هادئا جدا، على العكس من ذلك لم يستطع تسلم نصيبه من المال الموعود. وأنه عاد إلى بريس مع لوني، وأنه قيل لهم سيأخذون نصيبهم في الأسبوع المقبل، وانه ترك بن  بركة في هذا اليوم سالما دون أثر للعنف.

في نفس اليوم أدلت سيدة أخرى تدعى فرانسواز أرنول ، بتصريح للمحكمة ، بحكم علاقتها مع فيكون. أكدت نفس المعلومة السابقة في أن فيكون ترك بن بركة سالما يوم 29 أكتوبر ، وانه ذهب إلى فيلا بوشسيش لتسلم المال فقط ، وأنه رأى بن بركة لآخر مرة في اليوم التالي ، وعندما سألها الريس ، هل تعتقد أن بن بركة أمضى ليلة في فيلا بوشسيش، أجابت  بنعم ، وعن الحالة التي ترك فيها فيكون بن بركة لآخر مرة، أجابت هذه السيدة أن فيكون كان بالفعل في فيلا بوشسيش، لكنه لم يجد نفسه في نفس المكان مع بن بركة، وانه حالته كانت سيئة  واستعمل مصطلح    maltraité.

لوروا فانفيل  و الكولونيل بومون : حلقة الاستخبارات الفرنسية

أبرزت جلسات المحاكمة الأولى والثانية أن كلا من لوروا و بومون يتجادلان مسؤولية ما قع داخل مصالحهما، ويحاول كل واحد منهما أن يوجه الاتهام للآخر. يقول البخاري أن لوروا كان متعاونا لدى مصالح الكاب 1 ،كالشرطيين سوشون وفواتو ، وكما أبرزنا ذلك من قبل ومن خلال الوثائق الموظفة في هذه الدراسة أن  الحلقات الصغيرة داخل المخابرات الفرنسية والشرطة والاستعلامات العامة كانت ضحية لآلة كبيرة في أجهزة الدولة الفرنسية ، تمتد من المؤسسات السياسية إلى الأجهزة الأمنية المختصة ،( أنظر تصريح البخاري للاتحاد الاشتراكي 7 غشت 2001)  . ويظهر ذلك جيدا عندما لف بومون الخناق حول لوروا، تدخل دفاع هذا الأخير ليهدد بومون بإفشاء عدد من الأسرار التي تدخل فيما كان يعرف أثناء المحاكمة بسر الدفاع الوطني. وكاد لوروا أن ينفجر في جلسة السبت 1 أكتوبر1966، عندما توجه إلى رئيس المحكمة قائلا: أن عليه أن يثبت براءته، لكنه محصورا سر الدفاع الوطني، وإذا فعل ذلك، فإنه سيجد نفسه مباشرة معتقلا أما محكمة أمن الدولة. وهذا التصريح قد يكون أيضا تهديدا للمسؤولين السامين المتورطين في القضية، ويبدو أن هذا التصريح قد أصاب هدفه، على الأقل أثناء المحاكمة، إذ ظهر لوروا في جلسة الاثنين 3 أكتوبر أكثر هدوءا.

تسائل الدفاع أثناء المحاكمة حول تصرفات مصالح المخابرات الفرنسية أثناء الإعداد لعملية الاختطاف، وهل ما وقع كان نتيجة مشاركة المصالح في العملية أم أنه تقصير من جانبها، وخلص المحامي ثورب إلى القول بأنه داخل المصالح التي توجد بين القيادة والمصالح الصغرى تقع مسؤولية التغطية حول عملية الاختطاف. كان الكلام موجها إذن إلى الكولونيل ببومون، والذي لاحظ الجميع أن البحث الذي فتح داخل المصالح لتحديد مسؤولية المخابرات الفرنسية، وقع تحت مسؤولية وإشراف الكولونيل بومون، فهو إذن الخصم والحكم.

صرح الوزير الأول جورج بومبيدو أمام الجمعية الوطنية ليوم 6 ماي 1966 بأن مصالح S.D.E.C.E شاركت طويلا في المعارك الاستعمارية ، وأن بعضا من أطرها احتفظ بسلوكات وعلاقات تعود إلى هذه الفترة. نجد في تصريح الوزير الأول هذا نوعا من الاعتراف بأن أطرا داخل المخابرات شاركت من قريب أو من بعيد في عملية تصفية بن بركة، والإشارات إلى العلاقات والأساليب التي تعود إلى عهد الاستعمار قد يعني بها أيضا الروابط التي كانت قائمة بين أوفقير الضابط العسكري السابق في الجيش الفرنسي وبعض زملائه، الذين أصبحوا قادة و مسؤولين داخل المؤسسة العسكرية أو جهاز المخابرات الخارجية. وربما إلى هؤلاء كان لوروا يصدر تهديده بالكشف عن أسرار الدفاع الوطني.

قبل اختطاف بن بركة كانت مصالح S.D.E.C.E تابعة للوزير الأول ، ثم حولت إلى وزارة الجيوش بعد ذلك ، طرح الجميع آنذاك مسؤولية الوزير الأول عما حدث لابن بركة ، لكن الإجابة كانت تقول دائما أن كل المعلومات المتعلقة باختطاف بن بركة، لم تصل أبدا إلى الوزير الأول ، الذي تدخل يوم 6 ماي 1966 أمام الجمعية الفرنسية ، في الوقت الذي كان فيه وزير الداخلية فري يلقي خطابا ، وذكر أنه منذ أن عرف أن أحد رجال المخابرات متورط في القضية، تم تفحص كل الوثائق المرسلة من S.D.E.C.E ،ابتداء من شهر ماي ، ولم يعثر في أي منها ما يفيد بمخطط اختطاف بن بركة.

ومهما يقال عن التغطية السياسية لعملية اختطاف بن بركة فوق التراب الفرنسي ، فإن المسؤولية قائمة بالنسبة للوزير الأول ، وقد قام المجلس الوزاري المنعقد يوم 19 يناير 1966 بتبني قرارين لهما بعد سياسي بالنسبة للوزارة الأولى ، وربما شك الجنرال دوكول بتورط مسؤولين كبار في مصالح الوزير الأول . يتعلق القرار الأول بإقالة الجنرال جاكيي وتعويضه بالجنرال كيبو على رأس مصالح المخابرات ، و سحب S.D.E.C.E من الوزير الأول وإلحاقها بوزارة الجيوش. الزمن الذي يفصل بين تاريخ اختطاف بن بركة وتاريخ هذين القرارين هو تقريبا ثلاثة أشهر ، وهو زمن البحث والتحري وجمع معلومات كانت السند الحقيقي للقرارين المذكورين.  لكن S.D.E.C.E ذكرت أمام المحكمة أن أوامر جاءت من أعلى ، من ديوان الوزير الأول ، تطلب عدم إزعاجه بالمعلومات المتعلقة باختطاف هذه الشخصية أو تلك.

صرح علي بوريكات ، على هامش قضية بن بركة ، أنه تعرف على ضابط فرنسي كبير في المخابرات الفرنسية يسمى لوليليوس، كان الفرنسيون الأربعة الذين أدينوا من لدن المحكمة غيابيا ، يعملون تحت إمرته ، ويتعلق الأمر ببوشسيش و ديباي و باليس و لوني، وأضاف ذلك الضابط ، وفق شهادة بوريكات ، سيأتي اليوم الذي سأكشف فيه للجميع عن حقيقة المهدي بن بركة ومدى تورط فرنسا في هذه العملية.( أنظر الأحداث المغربية24 يوليوز 2001)

استندت تبريرات الوزارة الأولى ومصالح الأمن الفرنسية بأنه لم تكن هناك شكوك حول ما تعرض له بن بركة، نظرا لورود أخبار حول الاتصالات التي قائمة بين القصر وبعض المعارضين المغاربة بهدف عودتهم ومشاركتهم في حكومة مقبلة. لكن وكما شرحنا ذلك في سابقا، وكما فسر ذلك بدقة عبد الرحمان اليوسفي في شهادته أمام المحكمة، أنه منذ شهر يوليوز، لم تعد هناك اتصالات، وما كتبه بن بركة في مقدمة، الاختيار الثوري، والمؤرخ في يوليوز 1965، خير دليل على القطيعة التي كانت قائمة بين المسؤولين المغاربة وبن بركة. وهذه المعطيات جميعها، والتي تهم بلدا له مصالح استراتيجية واقتصادية وسياسية، لا يمكن أن تغيب عن المؤسسات السياسية والعسكرية في فرنسا، إن لم يكن العكس هو الصحيح، إي أن هذه القطيعة، إضافة إلى الإعداد لعقد مؤتمر القارات الثلاث، والبعد العالمي لشخصية بن بركة هي التي عجلت بنهايته، والحالة هذه لا يمكن للمصالح الفرنسية أن تكون غائبة عن هذا السياق، وان تبرر عدم علمها بمخطط اختطاف بن بركة، بأن هناك اتصالات قائمة بين زعماء المعارضة والقصر. إن هذه المؤسسات هي أعلم بما يجري من أحداث سواء داخل التراب الفرنسي أو المغربي، وقد أثير إبان المحاكمة وما بعدها دور السفارة الفرنسية في الرباط، والتي لمح الجميع إلى أنها أكبر سفارة فرنسية في العالم ولها امتدادات متنوعة. ولم تستطع المحكمة أن تكشف شيئا من السفير الفرنسي آنذاك روبير جلي، الذي رفض الإجابة على أي سؤال متذرعا بالسر الدبلوماسي .

سبع سنوات بعد عملية الاختطاف والاغتيال وإصدار الأحكام المعروفة من لدن محكمة الجنايات بباريس  ،كان لوروا وفواتو يأملان في العودة إلى العمل، أملا ، ربما في تلك التغطية الموعودة، لكن مجلس الدولة أقر بمسؤولياتهما في ما حدث ، وأصدر قرارا نهائيا في الفصل من العمل.( جريدة لوفيغارو. 4 غشت 1972 )

الحلقة الإسرائيلية في عملية اختطاف واغتيال بن بركة

كتبنا في بداية هذه الدراسة عن دور المهدي بن بركة في فضح السياسة الصهيونية في إفريقيا، في الوقت الذي كانت فيه السياسة الإسرائيلية ، وما زالت ، تنبني على اختراق عدد من الدول الإفريقية تحت غطاء المساعدات التقنية، فكان المهدي بن بركة يبرز من خلال موقعه في منظمة التضامن الأفرو آسيوي حقيقة  الوجه الاستعماري للصهيونية ، كان بن بركة أيضا عنصرا فاعلا في تقريب وجهات النظر بين مصر الناصرية وسوريا البعثية ، غداة فشل الاتحاد بين الدولتين ، وكان هذا الأمر أيضا يقلق الحكومة الإسرائيلية، ولذلك كان بن بركة تحت مراقبة جهاز المخابرات الإسرائيلي ، خصوصا بعد الندوة التي عقدت في القاهرة يوم 5 أبريل 1965 ، حيث ألقى بن بركة عرضا حول : ” إسرائيل والتغلغل الصهيوني في إفريقيا ” فضح فيه سياسة إسرائيل الحقيقية في القارة السمراء.

وجهت غيثة بناني ، زوجة المهدي بن بركة، رسالة إلى رئيس محكمة الجنايات بباريز أواخر شهر مارس 1967 ، عندما كان يجري الإعداد لبداية المحاكمة الثانية ، والتي  تشير فيها إلى ما ورد في الصحافة من ظهور عنصر جديد متعلق بمشاركة المصالح السرية الإسرائيلية في عملية اختطاف واغتيال بن بركة ، وطلبت أرملة بن بركة من رئيس المحكمة، إصدار الأمر بالاستماع إلى  مير عاميت رئيس المصالح السرية الإسرائيلية ، وصمويل مور ، رئيس تحرير مجلة بيل ومساعده ماكسيم غيلان .

طوال السنوات التي تلت عملية اختطاف المهدي بن بركة، ظهرت معلومات تفيد بمشاركة الموساد في اغتيال بن بركة، فقد ظهرت الترجمة الفرنسية للمقال الذي صدر بمجلة بيل يوم 11 دجنبر 1966، وعملت مجلة نيويورك تايمز على نشر نفس المقالات ابتداء من 19 فبراير إلى 25 أبريل 1967 .

انتقل ماكسيم غيلان إلى باريس ، حيث أشرف على نشر مجلة شهرية تحت اسم إسرائيل و فلسطين ، وكانت مناسبة ليدلي بشهادته حول المعلومات التي نشرتها دورية بيل.

يتمحور هذا المقال، الذي تعرضت بسببه بيل للحجز، إلى موضوع التنسيق بين أممية خاصة تجمع بعض الأجهزة المخابراتية والمنظمات الحكومية الموازية التي تمارس قانون الغاب، وأن هذه المؤسسات جميعها تنتظر بقلق انفجار قضية عالمية في علاقة مع اختطاف وقتل معارض مغربي، من لدن الأجهزة السرية المغربية . ويسرد المقال قصة اختطاف بن بركة من لدن شرطيين فرنسيين متعاونين مع جهاز المخابرات المغربية ، وأنه من خلال ما يروج ، إما أن المعارض المغربي قتل في فيلا بوشسيش ، أو أنه نقل إلى خارج فرنسا. وأن ثلاثة مصالح مخابرات كانت على علم بالعملية ، المصالح السرية المغربية والفرنسية والإسرائيلية، وأن هاتين الأخيرتين دعمتا بكل الوسائل ” مصالح المختار بن سالم الدليمي ” .

وتطرق المقال بعد ذلك إلى ” رجل الأعمال ” السويسري ، الذي اقترح تمويل الفلم الذي كان بن بركة ينوي إنجازه حول حركات التحرر العالمية ، ولم يستطع كاتب المقال أن يذكر اسمه ” لأن القضية لم تنفجر بعد ” . وأهم معلومة وردت في هذا المقال ، هو أن ” رجل الأعمال” السويسري كان وراء تحديد موعد باريس. وأن هذا الرجل مشهور في عدد من الدول ومنها دول الشرق الأوسط.

كان برنيي قد صرح أمام قاضي التحقيق أن فيكون اقترح على بن بركة في لقاء جنيف مبلغ 1500000 فرنك كتسبيق للفلم المزمع إنجازه،  ( وبما أن فيكون كان واجهة فقط ولعب دورا مؤدى عنه ، فالغالب أن المبلغ المقترح كان من اقتراح ” رجل الأعمال” السويسري ومن وراء هذا الأخير جهاز المخابرات الإسرائيلي). بعد ذلك يتطرق المقال إلى تفاصيل الاختطاف والضجة السياسية التي أعقبته ، وتصريحات فيكون المثيرة، والذي انتهى به المطاف إلى ” الانتحار”. ويختم المقال بأن” رجل الأعمال”  يحس الآن بالخوف من نتائج المصيدة التي نصبها لبن بركة حين قاده نحو موعد الموت.

إن ” رجل الأعمال ” السويسري هذا هو أرثير كوهن صهر وزير العدل الإسرائيلي يعقوف شابيرا. كان كوهن مراسلا لجريدة هاريتز الإسرائيلية بجنيف، وهو في نفس الوقت عميلا لمصالح الجاسوسية الشين بيت، كان معروف أيضا عن كوهن نشاطه الملحوظ في المجال السينمائي .

كان سبب ” خروج ” هذه المعلومات إلى الواجهة الإعلامية ، صراع حاد نشب بين الرئيس السابق لشين بيت عيسى هارل، والرئيس الجديد الجنرال مير عميت . فبهدف زعزعة الرئيس الجديد، أفشى هارل في اجتماع داخلي لأحد الأحزاب الدينية أخبارا عن تدخلات الشين بيت في عدد من القضايا ، منها قضية بن بركة ، وأفشى اسم أرثير كوهن الذي ساهم في عملية إعداد اختطاف بن بركة.

إذا صحت هذه الأخبار ، فإن كل التحركات التي أجراها فيكون ولوبيز وبرنيي وآخرون في سويسرا ، بما فيها قضايا التمويل، جرت كلها بتمويل ومراقبة من لدن المصالح السرية الإسرائيلية . وربما هذا يفسر تصريح وزير العدل الفرنسي لفرانسوا مورياك وأصدقائه من أن المخابرات الأمريكية قد تكون وراء اغتيال فيكون. فقدوم فيكون على نشر ما يرفه عن القضية في الصحافة الفرنسية كان سيقود حتما إلى الحديث عن أرثير كوهن وعلاقاته المتشعبة مع المخابرات والصحافة وعالم السينما.

سارعت مصالح الأمن الإسرائيلية إلى مصادرة هذا العدد من مجلة بيل ، باستثناء 400 أو 500 عددا سبق بيعها في الأكشاك عند بداية التوزيع، كما تم حجز الصحفيين في مكان سري ، وبقيت المجلة تصدر باسميهما لتغطية عملية الاحتجاز. ومع هذا الاحتياط فقد تمكن صحفي إسرائيلي يقطن بروما من الحصول على نسخة من العدد وحمله بنفسه إلى نيويورك ، عرضه في البداية على التايم ماكازين ، لكن هذه الأسبوعية رفضت تبني المقال ، فتم نشره في نهاية المطاف في يومية  نيويور تايمز . وخلق كل هذا ضجة داخل إسرائيل حول الحالة التي وصلت إليها المصالح السرية الإسرائيلية بإفشاء أسرار عملياتها.

أثناء التحقيق الأولي في عملية اختطاف واغتيال بن بركة ورد مرارا اسم كوهن . تضمن الصك النهائي للنيابة العامة ، المؤرخ في 26 مارس 1966، المعلومات التالية :  في يوم 30 أكتوبر 1965 عقد اجتماع /غداء في  Paray-vieille poste  جمع كلا من لوبيز و الكومندان الدليمي والحسيني ( أو الحسوني؟) وباليس وديباي ولوني، وأن عددا من هؤلاء توجه إلى المطار لحجز تذاكر سفر بالطائرة المتوجهة نحو المغرب في الساعة الحادية عشر وخمس وأربعين دقيقة. حجزت التذاكر باسم بوشسيش وكوهن والدليمي و الحسيني . هذه التذاكر لم تستعمل ليلة 30 أكتوبر 1965 ، لكن في صباح يوم الأحد 31 أكتوبر، حملت الطائرة المتوجهة إلى الدار البيضاء في الساعة التاسعة وست وأربعين دقيقة كلا من الدليمي و” الحسيني” و” الشتوكي ” وكوهن. وفي الصفحة 18 من نفس صك الادعاء ، تبين أن كوهن أصبح كوهن ، فندقي بالدار البيضاء، وأن التذكرة المحجوزة ليوم 30 أكتوبر كانت تذكرة ذهاب وإياب .  ( Affaire Ben Barka. Témoignages et documents- ص50-53)

في محاكمة القنيطرة تم الكشف عن لائحة أرسلها محمد بنونة إلى دهكون، تتضمن أسماء لعناصر الكاب 1 ، ومن ضمنها ” يهودي” صاحب مرقص بعين الذياب ، شارك في عملية اختطاف بن بركة ، فهل يتعلق الأمر بأرثير كوهن؟

داخل الحلقة الإسرائيلية دائما ذكر في التحقيق اسم تورجمان، الذي كان تاجرا مغربيا كبيرا وقريبا جدا من أوفقير ، وله دور في تهجير اليهود المغاربة نحو إسرائيل ، التي كان يزورها باستمرار . وصل تورجمان إلى باريس يوم 13 أكتوبر 1965 ، ونزل بفندق كران أوطيل دوري ، ومنه تم الاتصال بسوشون إما من طرف تورجمان نفسه أو بواسطة لوبيز .

يوم 25أكتوبر ، تناول تورجمان عشائه بفندق أديلفي صحبة لوبيز وبوشسيش وأربعة مغاربة . في الساعة السادسة وخمس وعشرين دقيقة من يوم 29 أكتوبر 1965، هاتف تورجمان العميل لوبيز بشكل مستمر، واتصل به أيضا أيام 30 و 31 أكتوبر و 1 و 3 نوفمبر .

اتصل تورجمان أيضا بمنزل بوشسيش. كما سجل الفندق الذي كان ينزل فيه تورجمان مكالمات متعددة مع بنك فورسمرإخوان . توصل أيضا بعدة مكالمات هاتفية ليلة 3 إلى 4 نوفمبر 1965. في الساعة العاشرة ليلا من يوم 4 نوفمبر عندما أعلن في المذياع عن اعتقال لوبيز، غادر تورجمان باريس بسرعة يوم 5 نوفمبر.

لا شك أن البخاري ومن روى على لسانه ” حقيقة ” اغتيال بن بركة لم يطلعوا على محاضر المحاكمتين الأولى والثانية ، فيما يخص مشاركة المصالح السرية الإسرائيلية في التخطيط لاختطاف واغتيال المهدي بن بركة.

حدث اغتيال المهدي بن بركة في مسار الاتحاد الوطني / الاشتراكي للقوات الشعبية:

هناك ظاهرة ثابتة في الحياة السياسية للاتحاد الوطني / الاشتراكي للقوات الشعبية، وهي أن المهدي شكل إحالة نضالية داخل البيت الاتحادي إلى حدود مشاركته  في حكومة التناوب ، حيث خف الاحتفال بيوم 29 أكتوبر، وتحول إلى عروض سياسية بالمناسبة.

كان الاتحاديون يضعون دائما اغتيال بن بركة في إطاره السياسي ، وما الطلب الذي وجهه الاتحاد الاشتراكي إلى المحكمة للمطالبة بفتح تحقيق، إثر تصريحات أحمد البخاري، إلا دليلا على العمق السياسي الذي يضع فيه الاتحاد الاشتراكي قضية بن بركة.

في ليلة 29 أكتوبر 1965، كان الاتحاديون  وحدهم يدقون الأبواب لدق جرس الإنذار حول مصير أحد قادتهم. وكان انتشار الخبر أسرع بكثير في المغرب بالمقارنة مما وقع في فرنسا ، الذي صادف فيه يوم 29 أكتوبر بداية عطلة بمناسبة عيد الموتى، واستطاع هؤلاء بفضل رفاق لهم داخل الإعلام الفرنسي أن يشيعوا الخبر. شكل خبر اختطاف بن بركة من قلب باريس صدمة كبيرة داخل البيت الاتحادي، رغم علم الجميع أن بن بركة كان مهددا في حياته في كل وقت.

كان الوضع السياسي محتقنا منذ إقالة حكومة عبد الله إبراهيم في 20 ماي 1960، وكما بيننا أعلاه ، توالت الأحداث في اتجاه التصعيد القائم بين مكونات المشهد السياسي المغربي. ورغم الأمل الذي انبثق بعد أحداث مارس 1965، انقلب كل شيء ابتداء من يوليوز من نفس السنة. ونعتقد أن اختطاف بن بركة واغتياله أجج الوضع الداخلي ، بل أعطى شرعية لانتهاج عدد من قادة الاتحاد ومناضليه أسلوب العمل السري وأولية العمل المسلح ضد ” النظام” ، لأنه كان المنفذ الوحيد آنذاك. وعندما التحق محمد الفقيه البصري بمئات اللاجئين في الجزائر ، في يناير 1967، كان الوضع مؤهلا لسلسلة مما سيعرفه المغرب بعد ذلك ، والذي أدى إلى محاكمات وسمت التاريخ السياسي المغربي، أدت بدورها إلى أحداث أخرى كادت أن تعصف بمؤسسات الدولة.

لقد شكل حدث اغتيال بن بركة ألما في قلوب مئات المناضلين ، الذين يئسوا من العمل السياسي ” المشروع” ، فلجأوا إلى العنف المسلح لتحقيق تصورهم لمغرب المستقبل.في هذا المنحى يشكل تصريح عمر دهكون أمام المحكمة العسكرية بالقنيطرة، في سنة 1973، نموذج لهذا التحول الذي عرفته توجهات عدد من المناضلين داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، فقد صرح دهكون أمام المحكمة بأن أول لقاء عملي بينه وبين محمد الفقيه البصري يعود إلى 30 يوليوز 1966 ، ” وفي التاريخ المذكور توجهت مع البصري إلى الشاطئ بالسيارة ، وهناك طرح علي سؤالا يتعلق برأيي ، إذا علمت أن شخصا مسؤولا في حكومة المغرب شارك في اغتيال زعيم مغربي ، فكرت في الحين ، أن الأمر يتعلق بالشهيد بن بركة والجنرال محمد أوفقير (…) ثم أخبرني أنه سيسافر إلى الخارج ، و استفسرني عن كيفية الاتصال بي … ( العلم 29 /6/1973 )

. كما أن مسار حياة محمد آيت قدور يبرز أيضا الأثر الذي تركه غياب بن بركة في نفس الرجل ، فانخرط في العمل السري ، الذي اشتبك مع تحضيرات العسكريين الذين كانوا يهيئون لمحاولة الانقلاب الثاني التي وقعت في 16 غشت 1972.

صادف يوم اختطاف المهدي بن بركة من باريس ، 29 أكتوبر 1965 ، الإعلان عن نتائج أعمال المؤتمر العاشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب ، علما أن المقدمة القوية ،التي كتبها بن بركة للاختيار الثوري ، في يوليوز 1965 ، خصص فقرة هامة فيها ، لدور الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في نضالات الشعب المغربي . صدر المقرر السياسي للمؤتمر في جريدة المحرر ، عدد 122/ السنة الثانية . و التي كان يديرها في هذا الوقت ، إبراهيم الباعمراني . و اقتطفت من المقرر السياسي ، عناوين كتبت على صدر الصفحة الأولى ، تعكس درجة حرارة مكونات الساحة السياسية بالبلاد. جاء في جريدة المحرر العناوين التالية : المؤتمر العاشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب ينهي أشغاله بنجاح كبير. كل القرارات المتخذة في إطار ” سياسة الهروب إلى الأمام ” لم تغير شيئا من الأزمة الخانقة التي تتخبط فيها البلاد ولا تعد بإيقاف التدهور المستمر لمستوى معيشة الجماهير . المسؤولون يرجعون إلى أساليب التخويف، والمس بالحريات العامة ، والضغط على جماهير البادية . الحل الوحيد الذي يفرض نفسه لإنقاذ البلاد هو : الاشتراكية. ونشرت جريدة المحرر النص الكامل للمقرر السياسي ، الذي صادق عليه المؤتمر  الطلابي . والذي أعاد التأكيد أن سبب الأزمة التي تعيشها البلاد هو ” العزم الوطيد للسلطة الرجعية الإقطاعية على الحفاظ على الإشراف الفعلي على جهاز الدولة ” ( المحرر 29 أكتوبر 1965 )

كان رد فعل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إثر اختطاف بن بركة قويا جدا ، فصدر بلاغ من الكتابة العامة يوم 31 أكتوبر 1965، هذا نصه:

” أشعرت الكتابة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية باختطاف الأخ المهدي بن بركة في الظروف الآتية:

–       وصل الأخ المهدي صباح يوم الجمعة 29 أكتوبر 1965إلى باريس، حيث كان على موعد مع مؤسسة لإنتاج شريط حول حركات التحرير الوطني في الأقطار الإفريقية الآسيوية ، وكان الميعاد محددا في مقهى على الساعة الثانية عشرة والربع.

–       وعندما توجه إلى الميعاد المذكور وجد في انتظاره أشخاصا تقدم إليه اثنان منهم في الشارع وطلبا منه أوراق تعريفه بعدما أدليا بالشارة الرسمية للشرطة السرية الفرنسية، وثبت أن عصابة من عشرة أشخاص على الأقل كانت تتبع العملية وتحرسها في الشارع.

–          ولم تمض بضع ثوان حتى سيق إلى سيارة ذهبت به إلى مكان مجهول.

إن الاتصالات الأولى بالسلطة الفرنسية التي تمت العملية على ترابه مكنت الكتابة العامة من أن تحصل عن تأكيدات رسمية من وزارتي الداخلية والخارجية الفرنسيتين التي تصرحان بأن الشرطة ومصلحة حراسة التراب الفرنسي لم تشاركا من بعيد أو قريب في هذه العملية . وتؤكد وزارة الداخلية الفرنسية بأن حراسة شديدة وضعت في جميع المطارات والموانئ وفي حدود التراب الفرنسي ، كما تعلن عن يقينها بأن عملية الاختطاف نظمت من طرف ” منظمة أجنبية”.

أمام ظرف اختطاف الأخ المهدي وأمام ما تصرح به رسميا السلطات الفرنسية،فإن الكتابة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية،

1-     تذكر بأن سفير المغرب بباريس أجرى عدة اتصالات بالأخ المهدي بل وتقابل معه مرتين على الأقل ، وذلك قصد تمهيد  رجوعه إلى المغرب، ولم يحل دون هذه العودة إلا عدم صدور النصوص القانونية لقرار العفو العام.

2-     تؤكد أن الحكومة المغربية قد احتجت من جهة أخرى لدى عدة حكومات منها الجمهورية العربية المتحدة وكوبا لكونها تستقبل الأخ المهدي بصفته مسؤولا في منظمة التضامن الإفريقي الآسيوي ورئيسا للجنة التحضيرية لمؤتمر شعوب القارات الثلاث المقرر عقده في بداية السنة المقبلة بهافانا ، عاصمة كوبا.

3-     تذكر بأن هذا المؤتمر ، هو أول اجتماع تنظيمي عالمي تساهم فيه شعوب أمريكا اللاتينية إلى جانب الشعوب الإفريقية الآسيوية. إن المساهمة الفعالة  للأخ المهدي في هذا الميدان من شأنها أن تثير عليه بصفة خاصة حقد وعداء الأوساط الإمبريالية.

إن الكتابة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية : تضع الحكومة الفرنسية أمام مسؤولياتها، نظرا لكون عملية الاختطاف وقعت في واضحة النهار ، وفي قلب العاصمة الفرنسية، كما تذكر بأن الفرق الخاصة من الشرطة المغربية كان مسموحا لها من طرف السلطة الفرنسية بنشاط مستمر داخل التراب الفرنسي ، وخاصة تتبع حركات أفراد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ومطاردتهم، فمن هي إذن ” المنظمة الأجنبية ” التي تدعي الحكومة الفرنسية أنها قامت بعملية اختطاف الأخ المهدي؟

إن الكتابة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية واثقة بأنها تعبر عن غضب الجماهير الشعبية وجميع العناصر الوطنية التي تعرف ماضي الأخ المهدي بن بركة ، كما تندد بهذا العمل الإجرامي الذي يتحدى أبسط قوانين الأخلاق والمروءة.

وفي انتظار المعلومات الضرورية التي يجب الإدلاء بها الأوساط الرسمية في المغرب وفرنسا، فإن جماهير الشعب المغربي المحتفظة بيقظتها لعلى استعداد للكفاح ضد شبكات الإجرام التي ترمي إلى القضاء على كل العناصر الوطنية أو التقدمية ليخلى لها المجال، ولتفرض نظاما مبنيا على العنف والديكتاتورية واستغلال الجماهير.

الدار البيضاء في 31 أكتوبر1965″

( من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي، 1959-1974. وثائق. الدار البيضاء .1975 .ص 65-67)

إن هذا البلاغ الصادر عن أعلى هيئة داخل الاتحاد الوطني ، يعبر بشكل واضح عن ملابسات اختطاف بن بركة. ويمكن أم نستخلص الملاحظات التالية:

1-     يحمل بلاغ الكتابة العامة تاريخ 31 أكتوبر ، أي يومين بعد العملية، ويشيرإلى تأكيد وزارتي الداخلية والخارجية ، أن لا دخل لهما فيما جرى. في هذا  الوقت كان وزير الداخلية الفرنسي على علم بتفاصيل القضية كما رواها له عميد الاستعلامات العامة جان كاي. ويبين البلاغ أن مصادر حكومية فرنسية أبلغت الكتابة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية معلومات خاطئة عما جرى يوم 29 أكتوبر .

2-     إن الكتابة العامة وضعت عملية الاختطاف في إطارها السياسي بعدما عدد البلاغ مسؤوليات الرجل في منظمة تضامن ، ومنسقا للجنة التحضيرية لمؤتمر القارات الثلاث ن إضافة إلى موقف الحكومة المغربية ، وتضايقها من البعد الدبلوماسي، الذي أضحى  المهدي بن بركة يملكه.

3-     إن تجربة عدد من مناضلي وقادة الاتحاد الوطني كبيرة جدا مع الكتائب الخاصة التابعة لما كان يعرف بالكاب 1 ، وكانت تعرف بحكم التجربة ، الدور الذي يلعبه عدد من عملاء هذا الجهاز داخل التراب الفرنسي . ففي سنة 1964، تمت محاولة لاختطاف الفقيه الفكيكي من قلب باريس ، فاختطف رجل فكيكي يشبهه كثيرا ، والذي اكتشف مختطفوه فيما بعد  أنه ليس الشخص المطلوب ، فأطلق سراحه بعد أيام  من الاعتقال في مخبإ بقلب باريس. وإشارة الحكومة الفرنسية ،إلى منظمة أجنبية، كان يعني  يوم 29 أكتوبر جهاز الكاب  ، وهو ما أشار إليه بلاغ الكتابة العامة. وسبق لعمر بنجلون أن تطرق إلى دور الكتائب الخاصة في اختطاف المناضلين ، إذ كان بنجلون من أوائل ضيوف هذه الكتيبة ، عندما اختطف من طرف عناصر هذا الجهاز في دجنبر 1961، بعد إضراب رجال البريد ، كما أشار إلى ذلك في مخطوطه : ” أمراء النزعة النقابية..” ( أنظر نص الوثيقة المنشور في جريدة الأحداث المغربية ، دجنبر 2002، ودراستنا حول ثنائية العمل النقابي والسياسي داخل الاتحاد الوطني، نشرت على حلقات في شهر يناير 2003 ).

4-     إن المعلومات الواردة في هذا البلاغ قد استندت إلى تصريحات الطالب الأزموري، الذي اتصل بالاتحاديين في الساعة الثالثة بعد الظهر من يوم 29 أكتوبر ، وليس ثلاثة أيام بعد الاختطاف كما ورد خطأ في رواية البخاري التي تقول أنها كانت قريبة من مجريات الوقائع.

كانت من بين أهداف اغتيال بن بركة ، على المستوى الداخلي، إبعاد الاتحاد الوطني من كل مشاركة سياسية في تسيير البلاد ، وإبقائه في خانة تسهل عملية استنزافه باستمرار. وفي هذا المسار يمكن تفسير الحجز الإداري ، الذي تعرضت له صحيفتا الحزب المحرر و ليبراسيون ابتداء من 6  نوفمبر 1965 ، مباشرة بعد اختطاف واغتيال بن بركة في 29 أكتوبر 1965 . جاء بيان الكتابة العامة حول صحافة الحزب المؤرخ في 16 نوفمبر 1965 ، دليلا على إحساس قيادة الاتحاد بالعودة إلى نقطة الصفر. وسجل البيان أن : ” هذا الحجز الذي يتم عمليا كل يوم لا يشفع بأي تبرير عن طريق قرار حكومي أو إداري ولا تصدر بشأنه أية وثيقة رسمية. ويظهر أنه منذ بدأ التحقيق القضائي المتعلق باختطاف أخينا المهدي بن بركة واتهام مسؤولين مغاربة سامين ، أخذت السلطات العمومية تعارض في نشر جميع الأخبار وجميع التعاليق التي لم تكن قد صدرت ووجهت مسبقا عن طريق وكالة المغرب العربي  شبه الرسمية .

وأضاف البيان: ” التدابير الأخيرة التي اتخذت ضد الصحافة سواء الوطنية منها أو الأجنبية، والخنق المطبق بشكل متعمد ولا يحتمل على صحافة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من طرف السلطات العمومية ، تكشف – إذا كنا في حاجة إلى برهان – على أننا نشاهد إرساء آخر العناصر والاستعدادات المقررة من أجل إقامة نظام دكتاتوري بوليسي بصفة نهائية. إن التاريخ سيسجل على أن الذكرى العاشرة للاستقلال ولعودة محمد الخامس إلى المغرب قد احتفل بها تحت شعار خنق الحريات وقمع الإطارات الواعية في البلاد والاختطاف الإجرامي الذي تعرض له الأخ المهدي بن بركة أحد رواد التحرر الوطني وحد المناضلين من أجل تشييد المغرب العربي”….” ( من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي، المصدر السابق .ص 68-69 )

لم تترك الكتابة العامة ، أي فرصة تمر ، دون التذكير بالبعد السياسي لاختطاف بن بركة، فعلى هامش الندوة الصحفية التي أقامها دوغول ، أصدرت الكتابة العامة بلاغا مؤرخا في 23 فبراير 1966. يقول البلاغ : ” لقد اتهم الجنرال دوغول  خلال الندوة الصحفية التي عقدها يوم 21 فبراير بعبارات لا تترك مجالا للالتباس اتهم الحكومة المغربية اتهاما صريحا في موضوع عملية الاختطاف الإجرامية التي ذهب ضحية لها أخونا المهدي بن بركة يوم 29 أكتوبر 1965، وقد أكد رئيس الدولة الفرنسي أمام الصحافة العالمية بأجمعها الاتهامات التي وجهت منذ عدة أسابيع لوزير الداخلية في الحكومة المغربية باعتباره منظما ومدبرا رئيسيا لعملية الاختطاف. وكما أعطى الجنرال دوغول من جهة أخرى بيانات حول مدى تواطؤ مختلف مصالح الشرطة الفرنسية التي قدمت يد المساعدة للمتآمرين ويتجلى من هذا التصريح أن الحكومة الفرنسية عازمة على تحمل كامل مسؤولياتها ليس فقط على الصعيد الداخلي والقضائي بل أيضا على صعيد العلاقات المغربية الفرنسية (…) ولهذا فإن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي يهمه أولا وقبل كل شيء البحث عن الحقيقة كل الحقيقة والضرب على الأيدي المجرمة التي نظمت ونفذت اختطاف المجاهد الكبير أخينا بن بركة أن منظمتنا تندد بقوة مرة أخرى بوسائل الدفاع المستعملة أخيرا من طرف بعض الوزراء المغاربة، هذه هي الوسائل التي يقترن تنوعها واختلافها بهزالتها وفراغها (…) وإذا كانت الحكومة المغربية أو وزير الداخلية يتوفران على “سر” هذه الحقيقة، فإن عليهما أن يصرحا به أمام العالم أجمع بدقة ووضوح …” ( من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي، المصدر السابق .ص 70-71)

تصدى بيان الكتابة العامة أيضا للحملة الدبلوماسية والسياسية التي قادتها الحكومة المغربية للدفاع عن الموقف الرسمي من قضية بن بركة ، ومن أهمها جولة وزير العدل ، بوطالب، في كل من الجزائر وتونس وليبيا  ، كما أوردت ذلك جريدة لوموند ليوم 28 يناير1966 .

أصدرت قيادة الحزب أيضا بيانا بمناسبة الذكرى الأولى لاختطاف بن بركة بتاريخ 29 أكتوبر 1966 ، تشير فيه ، بناء علىالتحقيق القضائي الفرنسي ، أن ” حكومة المغرب وأعوانها هم مدبرو المؤامرة والآمرون بحبكها ” ، ويضيف البيان أن عملية الاختطاف تقررت بتاريخ 21 أبريل 1965، ” أي في الوقت الذي فوتح فيه أخونا المهدي من طرف سفير المغرب بفرنسا حول رجوعه  إلى المغرب على أساس إيجاد حل للأزمة السياسية القائمة إذ ذاك . وهكذا تأكد العالم بأجمعه  من وسائل الغدر والدس والخيانة التي قرر أن تستعمل للقضاء على حياة أخينا المناضل ، وبالقضاء عليه يقصد القضاء على حركة ثورية تحررية داخل المغرب والمس بالحركات الثورية في منظمة القارات الثلاث ” . تطرق البيان بعد ذلك إلى الارتباط بين مصالح الأمن الفرنسية والمغربية ، ” فلم يكن هناك تعاون فقط بل امتزاج بين الشرطتين إلى حد بعيد أثار الدهشة (…) أما مصير الأخ المهدي بعد الاختطاف، فإن الحقيقة في شأنه لم تظهر بعد بكيفية تستند على الدلائل القانونية الواضحة وذلك لسببين:

–       أولا، لأن المتهمين الذين يوجدون اليوم في بالسجن يدعون أنهم يجهلون ماذا فعل المغاربة بالمهدي حين سلموه لهم يوم 30 أكتوبر 1965، عند وصول أوفقير والدليمي إلى دار اللص بوشسيش ، والواقع أنهم يعلمون كل ما صار بأخينا بعد وصول المغاربة لكنهم يرفضون الاعتراف بذلك خشية أن تلصق بهم تهمة جديدة خطيرة وهي تهمة الاشتراك في الاغتيال التي تؤدي إلى الحكم بالإعدام.

–       ثانيا، لأن المسؤولين في وزارة الداخلية بفرنسا يعلمون من جانبهم حق العلم المصير الذي آل إليه الأخ المهدي بعد اختطافه لكنهم يخشون أن تعرف الحقيقة كذلك ، لأن مسؤولياتهم أمام الرأي العام وأمام الحكومة سوف تكون خطرا وأقوى مما عليه الآن، إذا ما تبين أن اغتيال الأخ المهدي حدث فوق التراب الفرنسي، وهكذا شاهد الجميع مراوغة المسؤولين الفرنسيين وتعللهم بكل الأسباب و العلل المصطنعة مثل المحافظة على سر المهنة أو المحافظة على أسرار الدولة ، ومن أجل عرقلة البحث القضائي وإيقافه عند مرحلة الاختطاف (…) وأصبح من المؤكد عند كل الملاحظين أنه بعد إتمام عملية الاختطاف، كانت عملية الاغتيال يوم 30أكتوبر 1965 بمنزل اللص بوشسيش …”  ( من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي، المصدر السابق . ص 72-75)

وعدد البيان في النهاية مناقب ورمزية المهدي بن بركة في النضال الوطني ، بعدما وصلت قناعة الكتابة العامة بأن بن بركة اغتيل يوم 30 أكتوبر.

ورغم ظروف القمع والتوتر السائد في الساحة السياسية آنذاك ، لم تردد الكتابة العامة في تسمية الأشياء بمسمياتها حين اتهم الحكومة المغربية و وزير الداخلية ومدير الأمن الوطني بالتدبير لعملية اغتيال الزعيم الاتحادي .

تعرضت صحافة الحزب للتضييق الشديد عليها لمواكبتها التحقيق القضائي والمحاكمات بباريس ، فاضطرت جريدتا المحرر وليبراسيون إلى التوقف عن الصدور منذ 13 نوفمبر 1965. بعد مرور 14 شهرا على توقف جريدتي الحزب ، انعقد اجتماع موسع لممثلي الأقاليم  يوم الأحد 5 فبراير ، تحت رئاسة عبد الرحيم بوعبيد1967 ، وكان من ضمن نقاط جدول أعماله ، النظر في صحافة الحزب، وتقرر استئناف صدور جريدتي الحزب. ورفعت إلى الكتابة العامة توصية خاصة بصحافة الحزب، ومن ضمن الحيثيات التي انبنت عليها التوصية : ” أنه لا يمكن أن تظل صحافة الحزب مغلقة بسبب قضية المهدي إلى ما لا نهاية والحال أن تطورات هامة وقعت في هذه القضية خلال 14 شهرا الماضية، وجعلت أمر إعادة النظر في توقيف هذه الصحافة موضعا بإلحاح..”، ومن أهم هذه الأمور رفع الحصار المضروب على المطبعة ، وتقديم الدليمي لنفسه إلى محكمة الجنايات بباريز. ويظهر أن المجلس الوطني الموسع ، المجتمع يوم 5 فبراير 1967 ، أراد توظيف صحافة الحزب لتغطية محاكمة المتورطين في اغتيال بن بركة التي كان يجري الإعداد لها بباريس.. لكن الأطراف الأخرى المتهمة في قضية بن بركة ، انتبهت إلى قرار إعادة صدور جريدتي الحزب ، فعادت إلى أسلوبها في محاصرة المطبعة ومراقبة كل سطر من مقالاتها.أصدرت إثر ذلك إدارة الجريدتين، المحرر وليبراسيون بلاغا إلى الرأي العام لإخباره بتوقفهما من جديد، وأكد بلاغ الإدارة ، المؤرخ في 14 أبريل 1967، أنه ” بعد رفع الحصار المضروب على المطبعة عادت الجريدتان إلى الصدور، المحرر يوم 14 فبراير 1967، وبعدها ليبراسيون، يوم 6 أبريل 1967، ومنذ يوم الجمعة سابع أبريل وبعد صدور خمسة أعداد من المحرر ومع ظهور العدد الأول من ليبراسيون ، اقتحمت الشرطة المطبعة، وحجزت الجريدتين من الباعة في جميع أنحاء المغرب.وفي يوم 10 أبريل 1967، استدعى مديرا الجريدتين إلى إدارة الشرطة بالدار البيضاء، حيث أخبرا بمقتضى برقية من الإدارة العامة للأمن الوطني، أنه يمنع ابتداء من تاريخه، صدور وتوزيع صحيفتي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المحرر و ليبراسيون. ولم يفت مديرا الصحيفتين أن يعبرا عن استغرابهما من عدم إعطاء أي سبب لهذا الإجراء، وأن يذكرا أنه و بمقتضى قانون الصحافة، يلزم لمنع جريدة من الصدور والبيع قرار من الوزير الأول ، ينشر بالجريدة الرسمية ويتضمن أسباب المنع. وهكذا يلاحظ أن منع الجريدتين الاتحاديتين معا، في يوم واحد، وبقرار واحد قد أتى بأيام قلائل، قبل استئناف محاكمة مختطفي الأخ المهدي بن بركة بباريس، ليحول دون اطلاع الرأي العام على الأخبار الموضوعية عن سير المحاكمة ، تلك الأخبار التي لا تنقلها الوكالات الإخبارية شبه الرسمية …” ( من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي، المصدر السابق . ص 80-81 )  .

في الذكرى الثانية لاختطاف المهدي بن بركة، 29 أكتوبر 1967، أصدرت الكتابة العامة للحزب بيانا بالمناسبة ركزت فيه على دور شخصية بن بركة في النضال الوطني والعالمي من أجل التحرر والانعتاق من مخالب ” الأمبريالية العالمية والرجعية المحلية ” . إلا أن أهم ما جاء في هذا البيان ، إصرار قيادة الاتحاد على أن ” المناضل المهدي بن بركة لم يكن شخصا عاديا ، ولذلك فإن الجريمة المرتكبة ضده لا يمكن أن تكون جريمة عادية..” ، ونجد نفس التوجه في بلاغ القيادة الاتحادية المؤرخ في 29 أكتوبر 1968 ، ” وإذا كنا اليوم على مسافة ثلاث سنوات من يوم ارتكاب الجريمة الشنيعة ضد المناضل بن بركة وضد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وجماهير الشعب المغربي وكل حركات التحرر عبر العالم في شخصه ، فإننا لا يمكن إلا أن نعلن بكون هذه الجريمة ستظل وإلى الأبد لاصقة بمرتكبيها ومدانين من جرائها شعبيا وعالميا إلى النهاية، وكما استخلصنا ذلك في وقفتنا بمناسبة ذكرى غيبته الثانية ، فإننا نرفض أن نضع قضية اختطاف بن بركة موضع الجريمة العادية، ارتكبها مجرمون عاديون، حتى ننتظر إنزال العقوبات بهم وفق ما هو مسطر في القوانين…”.

حدثت واقعة بالدار البيضاء ،في 15 مارس 1966، حينما “اختطف” عمر بنجلون إثر خروجه من مقر الكتابة العامة بالدار البيضاء ، ولم يكتشف الأمر إلا يومين بعد العملية ، حينما لمحه بعض الطلبة المعتقلين، فأصدرت الكتابة العامة بيانا إلى الرأي العام تخبر بما وقع لعضو اللجنة الإدارية للحزب. وعند تقديم بنجلون إلى المحكمة ، كان ملفه يتضمن العثور على نسخة من أسبوعية الحزب الشيوعي المغربي ، المحظور. لكن أمام هزال هذه الحجة ، ألصقت به تهمة التحريض على الإضراب. وأمضى في السجن مدة سنة ونصف ، ليطلق سراحه في 21 شتنبر 1967 .

عندما اتخذت مجموعة من أطر الاتحاد الوطني قرارا بعزل قيادة الجناح النقابي من المسؤوليات الحزبية ، فيما عرف فيما بعد بقرارات 30 يوليوز 1972، تضمنت لائحة أعضاء اللجنة الإدارية اسم المهدي بن بركة ، رغم قناعة الجميع بأن بن بركة اغتيل يوم 30 أكتوبر 1965، فكان إدراج اسمه من باب تثبيت المرجعية الحزبية الجديدة بناء على تراث المهدي بن بركة.

كان المهدي بن بركة حاضرا في قلب مناضلي التنظيم السري الذي نشأ في قلب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، وفتحت له أبواب عدة بفضل التراث الذي تركه المهدي لدى عدد من الحركات التحررية التي وصلت إلى السلطة أو لدى الأحزاب القومية العربية.علما أن بن بركة رغم اختلاطه بعدد من الحركات الثورية في العالم كانت له نظرة واقعية لمعارك التحرير في كل بلد على حدة ، وكما روى صديقه كيرييل من منظمة تضامن ، كان المهدي يدافع عن فكرة مفادها أن لكل واقع ظروفا نضالية خاصة.

كان بن بركة حاضرا في كل المراحل التي قطعها التنظيم السري داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، فقد ورد في محاضر الشرطة ومحاضر الاستنطاق التمهيدي والتفصيلي وجلسات محاكمة مراكش 1971 ، معلومات هامة ، قد تفيد في توسيع معرفة ما وقع للمهدي بن بركة ، بحكم أن أفرادا من التنظيم السري استطاعوا اختراق عدد من الأجهزة الأمنية واستطاعوا الحصول على معلومات تمس المناضلين الاتحاديين ، الذين ، كانوا تقريبا وحدهم في معارك يومية ضد ” النظام”.

جاء في محضر الشرطة القضائية رقم 55/121 ، ( 25 صفحة+ 5 صفحات- 29مارس 1970-6 يونيو 1970. أرشيف مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد ) المتعلق بأحد المناضلين ، انخرط في التنظيم السري ، في الوقت الذي كان يشتغل فيه في منصب حساس في أمن مدينة وجدة ، وبعد ذلك سينظم رئيسه أيضا إلى التنظيم . وسيشكل الاثنان موردا هاما للأخبار التي توصل بها التنظيم سواء على مستوى حركة تنقل المسؤولين الأمنيين بالمغرب ، أو الملفات المتعلقة بالوضعية الأمنية….

تلقى مفتش الشرطة هذا حوالي 15 رسالة، آخرها مؤرخ في 10 مارس 1970، طلبت منه قيادة التنظيم السري ، التحقق من إحدى ضيعات Tissot بنواحي بركان، وأجاب مفتش الشرطة والمناضل ، بأن تيسو يملك  ضيعات كثيرة ، ويصعب التحقق من المعلومات الواردة في رسالة القيادة. وما يهمنا في هذه المعطيات ، هي المصادر التي استقت منها قيادة التنظيم هذه الأخبار ، لأن التحقيق الفرنسي تطرق إلى طائرة  غادرت أحد المطارات المتعددة حول باريس ، والتي قيل أنها توجهت إلى الجهة الشرقية للمغرب ، عن طريق جزيرة كورسيكا .

في نفس المحضر وردت معلومات هامة حول جهاز الكاب 1 وعدد من مسؤوليه الذين أثيرت أسماؤهم مؤخرا ضمن رواية البخاري حول اغتيال بن بركة.ففي الصفحة 18 و19 من نفس المحضر، ذكر مفتش الشرطة أنه تلقى رسالة من قيادة التنظيم تطلب فيها إرسال أسماء وعناوين رجال الكاب 1 ليتمكن التنظيم من الاتصال بهم وتجنيدهم ، وأضاف مفتش الشرطة أنه اتصل برئيسه الذي اشتغل في مصالح الكاب 1، وأن رسالته إلى التنظيم تضمنت الأسماء التالية : العشعاشي عبد الحق، و التونزي و التاكنوتي و ( بقي مكان الاسم فارغا ) ، وأن اسم عبد الحق العشعاشي وحده كان مصحوبا بعنوانه، ومباشرة بعد ذلك تلقى رسالة تشجيعية من قيادة التنظيم تحثه على المزيد من المعلومات. علما أن نفس الشخص ذكر أنه خلال زيارته إلى الجزائر في صيف 1966، قدم له أحد القادة الوطنيين ألبوما لحوالي 60 صورة لرجال الكاب 1 ، المتخصصين في ملاحقة مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.وأخبر أيضا القيادة في باريس بأسماء الكتائب الخاصة بمنطقة وجدة. والظاهر أن مفتش الشرطة هذا كان يعرف الكثير عن أعضاء الكاب 1 ، فرغم أن محضر الشرطة الذي سلم إلى بوعبيد ، بوصفه محاميا لعدد من المعتقلين في محاكمة مراكش، كان مكان أسماء المسؤولين في الكاب 1 فارغا ، في حين كان المحضر الذي كان بين يدي رئيس المحكمة كاملا . بدليل أن محضر جلسات المحاكمة كان رئيس المحكمة يسأل المتهم عن الأسماء المرتبطة بجهاز الكاب 1 ، والمذكورة في محضر الشرطة القضائية، وحين سأله عن العشعاشي عبد الحق، وجميل ،  أجاب مفتش الشرطة، انه يعرف العشعاشي محمد ، أما جميل فلا يعرفه.، فقاطعه رئيس المحكمة قائلا : هذه الأسماء موجودة بمحضر الشرطة، وأنهم كانوا على استعداد للمشاركة في التنظيم السري. ( أرشيف مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد)

ومهما يكن من ملابسات محضر الشرطة القضائية أو ما راج في جلسات المحاكمة ، فإن هذه الأسماء هي نفسها التي راجت مؤخرا في الساحة الإعلامية المغربية كرؤوس مسؤولة عن جهاز الكاب 1 و” إنجازاته” في ما أصبح يطلق عليه سنوات الجمر، وارتباطها من قريب أو بعيد بقضية بن بركة. وذكر نفس الأسماء في محاضر الشرطة ، وإن كان بعضها مبتورا، يطرح أكثر من سؤال حول إشاعة أسماء جهاز من المفترض أن تكون وراء الستار. كان رئيس المحكمة أيضا أكثر إلحاحا على معرفة الروابط بين عنصري الشرطة الخاصة و التنظيم السري وجهاز الكاب 1، لدرجة أن رئيس المحكمة وجه سؤالا لأحد الضابطين المتهمين، عن علاقته بصهره  ، الذي كان في نفس الوقت أحد عناصر الجهاز المركزي للكاب 1  بالرباط.

عدد من هذه الأسماء العاملة في الكاب 1 محليا أو جهويا ذكرت أيضا في جلسات محاكمة القنيطرة، في صيف 1973،، من أهمها ، تصريحات دهكون حول الموضوع ، فقد طرح عليه رئيس المحكمة ورقة كتب عليها أسماء  وعناوين ، وطلب الرئيس قراءتها في الجلسة، ومن الأسماء التي ذكرت، المسؤول عن الكتائب الخاصة بالرباط و صاحب المرقص المشهور،المسمى “لوتيب” بعين الذياب ، وصاحبه يعمل بالمخابرات، وشارك في اختطاف المهدي بن بركة، وصاحب مقهى بحي حسان بالرباط، وعبد القادر صاكا ، مع ذكر عنوانه، وجميل حسين ، وجاءت في المعلومات أنه كان مسؤولا عن الكتائب الخاصة بالدار البيضاء في سنوات من 1963 إلى 1965، وأعطيت لدهكون أوصاف دقيقة لشكل وسكن ورقم هاتف هذا المسؤول الأمني.، وأنه أخيرا يشرف” على الجماعة التي تبحث على السي محمد ( البصري) بالخارج، ( جلسة يوم 29 يونيو 1973) ، فيتعلق الأمر إذن بنفس المسؤول الذي ذكر في وثائق محاكمة مراكش.

في نفس المحاكمة ذكر أحد مناضلي مجموعة وجدة ، أنه قام برصد حركات داسو، وان داسو والحاج الدلفوفي يقومان بتعذيب المواطنين، وجمعت خليات وجدة معلومات حول داسو، منها امتلاكه لضيعة تستخدم للتعذيب، وأن داسو كان مسؤولا في المكتب الثاني ( مخابرات الجيش) ( جلسة يوم 4 يوليوز 1973) .

بناء على هذه المعطيات ، هل هناك علاقة بين ما ذكر في محاضر الشرطة لضابطي الشرطة،المحاكمين في مراكش سنة 1971، حول ضيعة تيسو أو داسو ، والطلب الموجه لهما من لدن القيادة بباريس للتحقيق فيما إذا كان المهدي بن بركة مدفونا بإحدى الضيعات ببركان؟ خصوصا إذا ربطنا  المعلومات الواردة حول إخفاء جثة بن بركة في إحدى ضيعات تيسو أو داسو ، وارتباط هذا الأخير بالمخابرات العسكرية  المغربية من جهة ، وبالمعلومات المصرح بها في باريس حول الطائرة المغربية التي نقلت بن بركة إلى المغرب، عبر جزيرة كورسكا إلى الشرق المغربي.

لم يكن المهدي بن بركة، بعد اغتياله غائبا في مشاريع التنظيم السري داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. بل إن كثيرا من المناضلين كانوا يستحضرون حدث الاختطاف والاغتيال كحد فاصل بين العمل السياسي المشروع والعمل المسلح ضد ” النظام”.

أعاد التنظيم السري، إلى الواجهة، قضية بن بركة في برامج إذاعة : “التحرير، صوت الجماهير” ، والذي كان يذاع من ليبيا ، فإثر فشل محاولة الانقلاب الثانية في غشت 1972، تسائل البرنامج رقم 77، بتاريخ 26 غشت 1972، عن الاستنتاج الذي خرجت به الأحزاب من المحاولة الثانية، ونقل في هذا الصدد ما كتبته جريدة فرانس سوار ، في استجاب أجراه مبعوثها الخاص مع أحد قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي ذكر : ” ها نحن اليوم نخبر بأن أوفقير كانت له جميع نقائص المخلوقات، وسرنا نسمع الحديث من جديد عن قضية بن بركة، وسنصل ولا شك إلى معرفة الحقيقة عن  مأساة مصيره، لأنه ما أكثر الذين شاركوا في هذه القضية. وأذكر بهذه المناسبة أن أحد إخواننا لام أوفقير مؤخرا عن مشاركته في هذه الجريمة، فأقسم له اليمين على القرآن بأنه لم يشارك فيها، والواقع أن المغرب بلاد يِؤدى فيها القسم بكثرة”.( أرشيف مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد)

ولم تفت أي فرصة على إذاعة التنظيم لاستغلال أي حديث صحفي أو مقال يتطرق لقضية بن بركة، لتقديمه و التعليق عليه .من أهم ما ذكر قراءة مقال فانسان مونتي المنشور بجريدة لوموند بتاريخ 16 شتنبر 1972، والذي يقدم فيه معلومات، مفادها أن أوفقير خبأ في فرنسا وسويسرا، سنتين قبل وفاته، أسرارا حول اغتيال بن بركة ، وأن هناك تسابقا محموما بين أجهزة المخابرات المغربية والفرنسية للاستحواذ عليها. وخصصت ” إذاعة التحرير ، صوت الجماهير” الحلقة 97 ، بتاريخ 29 أكتوبر 1972، للذكرى السابعة لاختطاف بن بركة، من خلال شهادات عدد من الشخصيات الفرنسية أو مسؤولين في مؤتمر القارات الثلاث ، وقرأت في الحلقة99، بتاريخ 4 نوفمبر الرسالة التي بعثها الابن البكر لبن بركة، البشير إلى رئيس الجمهورية الفرنسية ، إضافة إلى التغطية الإعلامية لتحركات لجنة إظهار الحقيقة في قضية بن بركة ، التي كان يرأسها المؤرخ الفرنسي شارل أندري جوليان.

ظل المهدي بن بركة حاضرا في الحياة السياسية والتنظيمية والمرجعية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بين 1975 و1997 ، سواء من خلال الاحتفال بيوم 29 أكتوبر ، أو من خلال إحالة أدبياته إلى رمزية المهدي بن بركة في النضال الوطني. وكانت الاحتفالات بذكرى اختطاف بن بركة تزداد تأججا عندما تتعدد التيارات والتنظيمات التي تحيل هويتها إلى التراث النضالي لبن بركة.

بعد 1998، والمشاركة في حكومة التناوب ، خف الحضور الرمزي لبن بركة وعمر بندجلون في  الممارسة السياسية للحزب، إلى أن ظهرت رواية البخاري حول عملية اختطاف واغتيال بن بركة،في 30 يونيو 2001 ، فقدم المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي يوم 5 يوليوز 2001، شكاية لدى قاضي التحقيق بالرباط ، يدور موضوعها حول طلب فتح تحقيق في القضية ، بناء على تصريحات أحمد البخاري. جاء رد النيابة العامة على طلب المكتب السياسي ، يوم 31 يوليوز، برفض الطلب لانتفاء الصفة والمصلحة لانعدام الضرر الشخصي وتقادم القضية. كان رد عدد من الحقوقيين على قرار النيابة العامة سريعا، ومهما تكن الجوانب القانونية لشكاية الاتحاد الاشتراكي  ورد النيابة العامة ، فإن هذا الحدث في حد ذاته فتح نقاشا سياسيا حول الموضوع، وبذلك أعيدت قضية بن بركة إلى عمقها السياسي. كما أن الظروف التاريخية التي أنتجت فيها رواية البخاري ، ودخول المغرب عهدا جديدا ، ورفع السرية الجزئية عن ملف بن بركة في فرنسا قد أعاد القضية إلى الواجهة الإعلامية سواء في المغرب أو فرنسا ، الشيء الذي يمكن من جهة، التقدم في كشف ” أسرار” جديدة في عملية اختطاف واغتيال بن بركة، ومن جهة أخرى، جس نبض الجهات التي لا ترى مصلحة في النبش في هذا الملف سواء من الجانب الفرنسي أو المغربي. فقد تبين فيما بعد أن ” خطيبا”، من المحسوبين على  توجه سياسي معين ، هاجم المهدي بن بركة بشراسة ، وسانده في ذلك أحد قادة التوحيد والإصلاح ، حينما صرح لجريدة الأيام، عدد 14، بتاريخ 7-13 دجنبر 2001، بأنه من الناحية الشرعية أن هذا ” الخطيب ” و” أمثاله من العلماء هم الذين يحددون من هو الشهيد ومن ليس بالشهيد “. والمشكل ليس تحديد المفهوم الشرعي للشهيد بقدر ما تنكر هذه الجهات والتصريحات المحسوبة عليهم ،العمق السياسي لاختطاف واغتيال المهدي بن بركة، لأن هذا الرجل لم يقتل في حادثة سير أو شجار ، وإنما تم اغتياله في ظروف سياسية لها امتدادات محلية وجهوية وقارية.

لقد أحس الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، وهو يقود حكومة التناوب، أن طرفا هاما لا يريد أن يساير التوجهات الجديدة ملف الاختطاف والاغتيال ، وهي نفس الجهات التي أعلنت عداءها جهرا للحزب ، وشنت حملة إعلامية قوية ضده ، وأن ” الحجرة عمارها ما تذوب” ( انظر مقالنا : من المشروعية التاريخية إلى المشروعية الديمقراطية، الأحداث المغربية. 17 يوليوز 2002 ) . من الأشياء المثيرة الانتباه أن المهدي بن بركة الذي عاش زمن التحولات بين سنتي 1962-1963 ، كان حاضرا أيضا، وابتداء  سنة 2000 في إعادة تشكل المشهد السياسي المغربي ، موازاة مع تشكل موازين القوى الجديدة، فهناك في الزمنيين قواسم مشتركة في الأشخاص والخطاب.

لم يفوت الاتحاد لاشتراكي الفرصة لتعميم النقاش السياسي الوطني حول قضية المهدي بن بركة. فقد أطلقت على اجتماع اللجنة الإدارية للحزب، يوم 4 غشت 2001 ، اسم ” دورة الشهيد المهدي بن بركة” ،أي أربعة أيام فقط على جواب النيابة العامة على شكاية الاتحاد الاشتراكي ، وخصص الكاتب الأول للحزب فقرات هامة من خطابه لقضية بن بركة، الذي أكد أن الاتحاد ظل طوال مسيرته النضالية ، ” يناضل من أجل استجلاء الحقيقة في قضية اختطاف واغتيال شهيدنا الفقيد، لم ولن يهدأ له بال حتى يتبين الحق . إنه سلوك ثابت في حزبنا لابد من التذكير به ليفهم الجميع بأن قضية المهدي بن بركة ليست موضوعا صحافيا يمكن المتاجرة به واستغلاله عن وعي أو غير وعي ، لإتلاف خط الحقيقة أو تعويمها في المناورات التي تحرك مصالح الاستعلامات لهذا الطرف أو ذاك. إننا في الاتحاد الاشتراكي عبر الشكاية التي تقدمنا بها إلى القضاء نريد أن نؤكد بأن ملف اختطاف واغتيال المهدي بن بركة لا يمكن لأن يطبق عليه أي تقادم ، و لا يمكن أن يخضع للطي ، لأنه إجرام سياسي لدول متعددة ضلعت فيه بطريقة ماشرة أو غير مباشرة. إنه أمر أساسي أن تتبين المسؤوليات بما فيها مسؤولية الدولة المغربية، فلأمر يهم المغاربة ويهم شعوبا ودولا أخرى، ويهم الشرعية الدولية…” ( الاتحاد الاشتراكي  5 غشت 2001 )

روايات البخاري

تأتي رواية أحمد البخاري حول مصير بن بركة ، في سياق تاريخي له أهميته الخاصة ، مرحلة تمكن من الحديث عن بعض الملفات. والملاحظ في روايات البخاري أنها تتنوع بتنوع المخاطب ( بفتح الطاء) ، انطلاقا من روايته الأولى  ليومية لوموند وللأسبوعية الصحيفة بتاريخ 30 يونيو2001، رواية صاغها كل من المغربيين علي عمار وبوبكر الجامعي ، والفرنسي استيفان سميث.

تقول رواية البخاري الأولى  ، إن بن بركة حين وصوله إلى مطار أورلي في صبيحة 29 أكتوبر 1965، في الساعة الثامنة وخمسين دقيقة، كان يرافقه في نفس الطائرة رجلان من جهاز الكاب 1، وهما محمد حليم وحسن بن يوسف ، وأن ثلاثة آخرين كانوا ينتظرونه في مطار أورلي ، وهم محمد بطيش و عبد القادر الدرفوفي و ميلود التونزي ، هذا الأخير تحمل ، وفق رواية البخاري، العبء الأكبر في العملية اللوجيستيكية لتصفية المهدي بن بركة. ( وردت معلومات عن عدد المختطفين الذين تجاوز عددهم العشرة ، كما جاء في بيان  الكتابة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية المؤرخ في 31 أكتوبر1965 )

نفس الأشخاص حضروا أمام مقهى ليب، لتصوير عملية الاختطاف ،في الساعة الثانية عشرة والنصف ( الحادية عشرة والنصف بتوقيت المغرب)، في نفس الوقت تلقى البخاري ، الذي كان يداوم قرب الهاتف، مكالمة من العشعاشي محمد، تقول بنجاح العملية، وأن الطرد جاهز للإرسال، ويطلب إرسال الطائرة. وأنه بعد اختطاف بن بركة عمل نفس الأشخاص على شتم الطالب الأزموري وتهديده بالموت ، وأنه نتيجة لذلك ، اختفى على الأنظار لمدة 48 ساعة ، ولم يدل بمعلومات حول عملية الاختطاف للشرطة إلا يوم الأحد1 نوفمبر( من خلال عدد من الوثائق الحزبية بالخصوص، أعلم الطالب الأزموري الطلبة و المسؤولين الاتحاديين بعملية الاختطاف في الساعة الثالثة من نفس اليوم ، وجاءت تحركات الطاهري صديق بن بركة بناء على المعلومات التي أدلى بها الأزموري إلى الاتحاديين باريس) . تضيف الرواية الأولى ، أن بن بركة والمختطفين وصلوا إلى فونتناي في الساعة الواحدة والنصف ، واستقر الجميع في صالون الفيلا التي يملكها بوشسيش . كان يوجد بالصالون إلى جانب صاحب الفيلا ، أربعة رجال مغاربة ، وهم العشعاشي عبد الحق ومحمد و عبد القادر صاكا و محمد المسناوي. ( ذكر تقرير داخلي للمخابرات الفرنسية، حرره لوروا ثم أخفاه فيما بعد، خبر المغاربة الأربع الذين حضروا إلى باريس لتصفية بن بركة ، وظلت أسماء هؤلاء مجهولة ، ولم يسلم التقرير إلى المحكمة ، رغم إصرار الطرف المدني على ذلك ، وكان رفض مصالح المخابرات ينبني على تعليل أن في ذلك مسا بأسرار الدفاع الوطني) .

لم يتوجس بن بركة من المغاربة الحاضرين ، لأنه أخبر بوصول مبعوث خاص من الملك، حيث سيناقش معه شروط عودته إلى المغرب، لترأس الحكومة .  وأنه بعد ذلك فتح نقاش سياسي بين بن بركة ورجال الكاب 1. حاول البخاري الاتصال بأوفقير ، لكن دون جدوى،. في الساعة السادسة  مساء عرج أوفقير في نهاية المطاف على مقر الكاب 1 بالرباط، وحمل معه مبلغا كبيرا من العملات الأجنبية. في الساعة التاسعة مساء، بتوقيت المغرب ( العاشرة بتوقيت فرنسا)  تلقى البخاري المكالمة الثانية من العشعاشي محمد ، يطلب فيها إحضار ” الممرض ”  أحمد الجدايني إلى مقر الكاب 1 . محمد العشعاشي ، ودائما وفق رواية البخاري، اتصل مرة ثالثة بالممرض ، وطلب منه الذهاب إلى المطار وانتظار الطائرة التي ستحمل الطرد، دون نسيان المحفظة الخاصة به. عاود العشعاشي الاتصال للمرة الرابعة ، للتأكد من تطبيق التعليمات التي أصدرها من قبل. لكن ساعة بعد ذلك ، اتصل مرة أخرى( الخامسة) ليطلب فيها عودة الجدايني من المطار، وأن رحلة الطائرة العسكرية قد تأجلت عودتها بأربع وعشرين ساعة. كان حينها بن بركة قد فارق الحياة . أربك وصول الدليمي في مساء يوم الجمعة إلى فيلا بوشسيش بفونتناي ، كل حسابات محمد العشعاشي . بدأ الدليمي في شتم بن بركة، ، بدأ بن بركة في الصراخ، فشد وثاقه على كرسي ، وطلب من الحسوني أن يحقنه بمخدر ، فغاب بن بركة عن الوعي لمدة ثلاث ساعات ، ساد فيها نقاش حادا بين مجموعتي الدليمي والعشعاشي محمد . في منتصف الليل يصل أوفقير إلى الفيلا ، ولم يضع حدا للعنف الذي مارسه الدليمي على بن بركة. حين استعاد بن بركة وعيه ورأى أوفقير ، عرف بقرب نهايته ، فربطه الدليمي وجماعته بحبل وعلقه ، وحقنه مرة ثانية ، وبدأ في استنطاقه ، في الوقت الذي كان فيه الجنرال يشرب كؤوس القهوة. كانت حالة بن بركة سيئة جدا، وبدأ يتنفس بصعوبة ، فاقترب منه أوفقير بخنجر ذي حوافي مثلثة، منتهية  برأس دقيقة، وبها كان أوفقير يحفر  في وجه بن بركة وفي أعلى صدره. لم يجب بن بركة على أسئلة الدليمي ، ولم يكن يحس بخنجر أوفقير ، بل كانت عيناه جاحظتان تجاه العشعاشي محمد وصاكا والمسناوي القابعين في الطرف الآخر ممن القاعة..دامت هذه العملية زهاء ساعة من الزمن ، انتهى بعد ها الدليمي إلى وضع  خرقة مشبعة بالماء الوسخ على أنف وفم بن بركة ، أطلق الجسم حينها حركاته الأخيرة . أمام هذا الوضع يقول البخاري ، انتفض العشعاشي ومن معه، وأنزلوا الرجل ، وفكوا وثاقه ومددوه أرضا ، وحاول الحسوني إنعاشه ، لكن دون جدوى ، إذ فارق بن بركة الحياة. ويضيف البخاري أن أوفقير انتبه إلى خطورة الموقف ، في حين انصرف الدليمي إلى التفكير في التخلص من الجثة، وكان الوحيد بين الحاضرين ، الذي حمل قفازتين . غادر بعد ذلك أوفقير والدليمي فرنسا ، كما وصلا في سرية تامة ، بمساعدة أصدقاء للمغاربة ، لحمل ” يساري خطير” إلى المغرب.

عاد الجنرال أوفقير والدليمي إلى فرنسا ،مرة أخرى ولكن بطريقة رسمية ، يقول البخاري . وصل الدليمي إلى باريس يوم السبت 30 أكتوبر في الساعة الثانية والنصف بعد الظهر إلى مطار أورلي قادما من الجزائر حيث كان في مهمة للإعداد لزيارة الملك في لقاء أفرو آسيوي ، كان من المقرر عقده يوم الاثنين 1 نوفمبر  ، ويضيف البخاري أن الدليمي ، كان في الجزائر منذ يوم الأربعاء ( هناك اضطراب في المعلومات حول رحلة الدليمي الأولى السرية والثانية العلنية ). أما أوفقير فقد حل بباريس في نفس اليوم أيضا في الساعة الخامسة والنصف .كان في انتظاره التونزي ميلود والغالي الماحي. لم يكن لأوفقير والدليمي أي اتصال سوى بمساعديهما. حمل أوفقير إلى  فونتناي صديقه ، ومسؤول في مطار أورلي ، أنطوان لوبيز، في حين كانت السفارة قد حجزت له غرفة في أوطيل روايال ألما . وبعدها غادر لوبيز ضيفه ، بعد ذلك تدمج القصة المعروفة عن تحركات لوبيز بحذافيرها في الحكي البخاري .

في صباح الأحد 31 أكتوبر ، وفي الساعة الخامسة صباحا قاد لوبيز أوفقير والدليمي في عدة أمكنة للبحث عن مخبأ لجثة المهدي. في الثامنة صباحا غادر أوفقير أورلي في اتجاه جنيف ، في حين توجه الدليمي إلى الدار البيضاء في الساعة التاسعة وخمس وثلاثيين دقيقة. عاد الاثنان إلى باريس مرة ثالثة ، حيث حل الدليمي أولا يوم الاثنين ، وعاد أوفقير من جنيف إلى باريس يوم الثلاثاء 2 نوفمبر ، وصرح أمام الصحفيين أنه أول من تفاجأ بالنبأ. شارك الاثنان أيضا في  حفل استقبال على شرف انتهاء تدريب عمال وزارة الداخلية المغربية. في صباح اليوم الموالي ، تدخل موظف بوزارة الداخلية الفرنسية لحجز مقعدين لأوفقير والدليمي على متن الطائرة المتوجهة إلى المغرب في الساعة التاسعة وخمس وخمسين دقيقة.

في الساعة السادسة مساء من مساء يوم السبت 30 أكتوبر هاتف محمد العشعاشي مقر الكاب 1 ، وطلب بأن يكون الجدايني حاضرا بالمطار في الساعة الثانية صباحا ، ولاحظ البخاري أن رئيسه لم يطلب من ” الممرض” أن يحمل محفظته الخاصة. التحق احمد أجداين بالمطار في الساعة الواحدة والنصف . في الساعة الثامنة صباحا من يوم الأحد حضر إلى مقر الكاب 1 وعلى غير عادته الأمريكي ، مارتن، الذي كان يشتغل إلى جانب أمريكيين آخرين في مصالح هذا الجهاز.. في نفس الوقت تلقى البخاري مكالمة من أجداين ، يخبر فيها أن الطائرة حطت في مطار سلا منذ ساعتين ، وحملت الطرد برفقة الحسونيوالتونزي. وأن الجميع حاضر في دار المقري. . بعد ذلك تلقى البخاري مكالمة من الدليمي يسأل فيها عن الطائرة ، وعندما تأكد من الخبر ، طلب من التونزي و” الممرضين” البقاء في دار المقري بانتظار الأوامر. لاحظ البخاري أن محمد النويني خرج مهرولا حاملا معه كاميرا وآلة تصوير .

في يوم الأحد 31 أكتوبر كان أوفقير في جنيف ، حيث وصلها قادما من باريس ، التي غادرها بساعة ونصف قبل الدليمي ، في الوقت الذي انتقلت فيها جثة بن بركة خارج فرنسا ، إذ نقلت الجثة في سيارة الليموزين الدبلوماسية. وبمشاركة عناصر فرنسية، أدخلت السيارة إلى المطار حيث كانت تركن الطائرة المغربية ، التي حملت جثة بن بركة إلى مصيرها الأخير بدار المقري ، وهناك أذيبت في حوض صنع خصيصا لإذابة الجثث . وتكلف بوضع المواد الكيماوية كل من الكرواني بناصر والمعطي ريحان، بحضور ميلود التونزي ومحمد النويني و بوبكر الحسوني وأحمد أجداين. ألبست الجثة بن بركة نفس الملابس التي كان يحملها حين قدومه الموعد الحتمي، لتصوير مشهد عملية إذابة الجثة، ويقول البخاري في هذه الرواية أن أرشيف الكاب 1 احتفظ بعدد من الصور، أما النسخة الوحيدة للفلم الذي يصور وضع جثة بن بركة في حوض التذويب ، قد سلمت للملك من لدن الدليمي. يتابع البخاري سرد روايته بقلم المغربيين علي عمار وبوبكر الجامعي والفرنسي ستفان سميث أن رجال الجهاز عادوا إلى المغرب عبر عواصم مختلفة ، وأن عبد الحق العشعاشي ، الوحيد الذي رجع إلى المغرب في رحلة عادية .

في العدد الموالي لأسبوعية لوجورنال، عدد 25 ، بتاريخ 14 يوليوز، تم نشر بيانات حقيقة لكل من محمد العشعاشي وصاكا والمسناوي ينفون فيها ما ورد على لسان البخاري ، بصياغة عمار والجامعي وسميث . ونشرت في نفس العدد استجوابا مع البخاري، رد فيه على ما جاء من في بيان ضباط الأمن الثلاثة. وكانت أجوبته أقرب إلى الإقناع، لأن أسئلة المحاور كانت تصب في الدفاع عن الأطروحة التي تبنتها المجلة.

عكس الخط الذي تبنته مجلة لوجورنال ، نحت الصحيفة عدد 25 ، بتاريخ 6 يوليوز ، إلى الاعتدال في الأخذ برواية البخاري ، وكانت أسئلة نور الدين مفتاح  على البخاري تهتم بصاحب الرواية أولا، وهذا له أهميته في الكشف عن العديد من الأشياء التي تدخل في جوهر الموضوع، وهي تصريحات ستجد لها إطارها الخاص إذا ما ركبت  مع ما صرح به محمد المرابطين ليومية رسالة الأمة بتاريخ 25 أبريل 2002/ عدد 6000، والمرابطين ، أحد أصدقاء البخاري في مدينة آسفي بين 1962 و1964، من جهة، مع ما ورد في محضر الشرطة القضائية لشوجار أحد المتهمين في محاكمة مراكش من جهة أخرى.

بين الرواية الأولى للبخاري و التي وردت في يومية لوموند وأسبوعية لوجورنال في 30 يونيو 2001 ، وروايته الأخيرة في كتابه ” السر” المنشور في باريس 2002 ( أنظر بالخصوص من الصفحة169 إلى الصفحة193 )، نثر البخاري عدة استجوابات وتصريحات لمنابر إعلامية مغربية وأجنبية ، ولعدد من القنوات التلفزية، وقع تراجع فيها عن قضيتين أساسيتين: الأولى وهي أن الدليمي سلم الفلم الذي يصور تذويب الجثة إلى الملك، والثانية ، أن العشعاشي كان يتصل بالملك مباشرة .لكن في كتابه ” السر ” ، يحتفظ البخاري بنفس الكرونولوجيا الواردة في الرواية الأولى، والتي تغطي الزمن الممتد من يوم الجمعة في الساعة الحادية عشرة والنصف بتوقيت المغرب إلى يوم الأحد 31 أكتوبر 1965.

هذه الكرونولوجيا تحمل عيوبا أساسية ، قد تخل بجوهر رواية البخاري في عملية إعادة بناء الأحداث. فمثلا في النقطة الأساسية المتعلقة بزمن اغتيال بن بركة ، يقول البخاري أنه في يوم الجمعة 29 أكتوبر ، في الساعة الحادية عشرة والنصف تلقى مكالمة من محمد العشعاشي ، يطلب فيها إرسال الطائرة، المكالمة الثانية جاءت في الساعة التاسعة بتوقيت المغرب، لإخبار ” الممرض” أجداين بالحضور إلى مقر الكاب 1 ، (  الساعة العاشرة وفق رواية الكتاب ). يتصل العشعاشي مرة أخرى ليطلب من ” الممرض” الذهاب إلى المطار( الرواية الأولى) . ساعة بعد ذلك( 11 ليلا بتوقيت المغرب ) ، وفق الرواية الأولى، اتصال العشعاشي يخبر فيه بتأجيل عودة الطائرة، في رواية الكتاب ، نجد توقيت الثالثة صباحا من يوم السبت. وأن العشعاشي هاتف مرة أخرى البخاري في الساعة الخامسة من صباح يوم السبت يطلب بإعادة أجداين من المطار إلى مقر الكاب 1 ، وانتظار الأوامر.

في كتاب ” السر ” نجد أن العشعاشي اتصل بالبخاري في الساعة الثانية صباحا، للتأكد من ذهاب أجداين إلى المطار .

في الرواية الأولى نجد أن أوفقير وصل إلى الفيلا حوالي منتصف الليل ، وأنه بعد ساعة من التعذيب بحضوره توفي بن بركة حوالي الساعة الواحدة صباحا من يوم السبت ،( منتصف الليل بتوقيت المغرب ) إذن هذه الكرونولوجيا لا تستقيم، فزمن اغتيال بن بركة يتأرجح بين الواحدة و الثالثة صباحا من يوم السبت. وحتى إذا أدخلنا بعين الاعتبار الخلط الذي وقع فيه البخاري بين التوقيت الفرنسي والمغربي ، فإن زمن الخطأ لا يجب أن يتعدى ساعة وهو الفرق بين التوقيتين في فصل الخريف ، ومكا ورد في سباق الحديث نفسه.

بين الروايتين ، الأولى والأخيرة لا نجد نسقا واضحا لتحركات الدليمي وأوفقير ، ونجد تنقلاتهما وكأنها سفر بين بلدين متجاورين ، في الوقت التي نجد فيه خلطا لدى الدليمي فهو في نفس الوقت في الدار البيضاء والجزائر، وقد يعودان في طائرة واحدة أو في رحلات مختلفة. تبقى أيضا مسألة الحسوني ، الذي قال عنه البخاري أنه عوض أجداين ، لأن هذا الأخير كان في حالة صحية غير عادية، علما أنه لم يذكر متى سافر الحسوني إلى باريس، هل بصحبة الجماعة الأولى أو مع أوفقير. ومسألة التوقيت لها أهميتها في تبرير تعويض أجداين أم لا، علما أن اسم الحسوني هو الذي تردد في عدد من الروايات.

في الرواية الأولى يجهل البخاري أشياء هامة ، فقد ورد مثلا عن السفر ” الأول” لأوفقير إلى باريس ما يلي:

”  Y a-t-il pris l’avion militaire  mis à la disposition de l’opération “Bouya Bachir” par le colonel Lyoussi du 2è Bureau de l’armée et prêt à partir depuis trois jours? S’est-il rendu à Fès , où séjourne le roi , pour ” voir le patron ” comme il l’aurait dit au téléphone à Antoine Lopez , l’agent français multicartes à Orly, à qui le général annonce son arrivée à Paris pour la nuit, à 2h 30? Ahmed Boukhari l’ignore . Il s’en tient aux certitude de son “registre permanencier” et aux témoignages de ses amis de services…” لوجورنال 30 يونيو 6 يوليوز 2001.

لكن نفس الراوي ، أي البخاري يقول في تصريح لجريدة الصباح، بتاريخ22/23 دجنبر 2001، ما يلي :

” هناك وثيقة أخرى هامة جدا، وهي عندما وصل الجنرال أوفقير ليلة الجمعة 29 أكتوبر إلى باريس ما هو معلن ورسمي أن أوفقير ذهب إلى فرنسا مساء السبت، لكنه في الحقيقة كان في فرنسا ليلة الجمعة إضافة إلى الدليمي . ذهب من الرباط إلى فاس ومن فاس إلى باريس…”. ويؤكد نفس المعلومات في تصريح للفضائية الجزيرة، بتاريخ 2 غشت 2001.

في روايات البخاري نجد طرحا ثابتا مفاده أن رجال الكاب 1 ، تصرفوا في التراب الفرنسي دون رقيب ، وأن العلاقات مع الفرنسيين لم تتعد أسماء ستة أفراد.بل يؤكد لجريدة الصباح 22/23 دجنبر2001، أن المخابرات الفرنسية لم تكن على علم بعملية اختطاف بن بركة ، وأن الفرنسيين القلائل الذين شاركوا في العملية عملوا لصالح المغاربة مقابل مبالغ مالية.

إن ردود العشعاشي وصاكا والمسناوي على رواية البخاري، لم تكن في مستوى ثقل ما صرح به البخاري في مشاركتهم في عملية اختطاف بن بركة ، واختفت أجوبتهم وراء العواقب القانونية التي يمكن أن تستنتج من أقوالهم ، لكن لا أحد سيصدق أن من اشتغل في الكاب 1 ، لا يعرف دار المقري وأشياء أخرى، وبالرغم من الكشف عن طرفهم لبعض الأخطاء الواردة في رواية البخاري ، فإن أجوبتهم لجريدة الأحداث المغربية ، هي أقرب إلى إثبات ما ورد في رواية البخاري، عوض نفيه؟

إن روايات البخاري تحمل معلومات مفيدة، لكن يجب أن توضع في سياق يأخذ بالجوانب التالية:

1-         يقول البخاري أشياء هامة حول اغتيال بن بركة ودهاليز الأجهزة الأمنية وأشياء أخرى، ويؤكد حضوره بشكل أو بآخر في هذه الوقائع وإثبات صحة حضور البخاري فيها يقتضي النبش في ماضيه، وهذا ما تنبه له نور الدين مفتاح في استجوابه للبخاري في العدد 25 من أسبوعية الصحيفة، بتاريخ 6-12 يوليوز 2001 ، خصوصا وأن هناك شهودا على المرحلة التي كان فيها البخاري مستقرا في آسفي، بين 1961 و 1964. وأدلى البخاري في استجوابين مختلفين بأنه تعرض للتوقيف من العمل مرتين ، حوالي 1961 و 1970 .

هناك وثيقة من محاضر الشرطة القضائية المرتبطة بمحاكمة مراكش ، التي جرت في صيف 1971 ،  ويتعلق الأمر بمحضر عبد الرحمان شوجار رقم 55/44، والذي يحمل تاريخ 17/12/1969- 6 يوليوز 1970 ،( أرشيف مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد) . تحمل الصفحة الخامسة من هذا الملف معلومات هامة، تدخل في سياق ما قاله شوجار للشرطة، فقد حكى عن مرحلة وجوده بآسفي وعن طرده من مدرسة المعلمين ، وانتقاله إلى الدار البيضاء في أبريل 1964 ، وهناك التقى بالشعبي ( احد مناضلي الاتحاد الوطني بمدينة آسفي ) الذي طلب من شوجار العودة إلى آسفي، وأعطاه مسدسين يسلمهما إلى المرابطين،( الذي كان معروفا بالسكليست، لإصلاح وبيع الدرجات العادية والنارية)، و وسافرا معا على نفس الحافلة من الدارالبيضاء إلى آسفي . في الساعة الثامنة مساء التحق الشعبي وشوجار والمرابطين بمنزل البخاري، الذي كان يستغل دكانل لصنع الموازين، يوجد في نفس الزنقة التي توجد بها مقهى تسمى ” قهوة اليهودي” . ويقول شوجار في نفس المحضر 55/44 أنه لم يسبق له أن رأى هذا الشخص في مقر الحزب بآسفي، وأنه كان يسكن بيتا صغيرا بحي الترابسيني، غير بعيد عن سكة القطار، وأنهم جميعا تناولوا العشاء عند البخاري، بل إن شوجار والشعبي قضيا ليلتهما عند البخاري، في حين انصرف المرابطين إلى بيته. وأثناء  الحديث والنقاش الذي سبق وجبة العشاء، أخرج الشعبي من حزامه رشاش من نوع مات 49 ، وأخرج المرابطين المسدسين، وبدأ الشعبي في شرح طريقة استعمال  الأسلحة، وتحدث الجميع عن الانتفاضة المسلحة والثورة، وفي صباح الغد عاد المرابطين ب”كارطونة” وخبأ فيها الأسلحة وحملها إلى دكان البخاري حسب اتفاق بينهم، بعد ذلك سافر شوجار إلى الدار البيضاء ، وبعد عودته إلى آسفي مرة أخرى سمع باعتقال المرابطين.

هذه الأحداث ، وبناء على السياق الزمني في المحضر رقم 44/55 ، تنحصر بين مارس/أبريل 1964 و غشت 1964. ذكر المرابطين في حديث خاص ( أنظر أيضا الصحيفة، عدد 26، 13-19 يولييوز 2001) ، أنه استقطب البخاري إلى التنظيم بعد ” طرده ” من سلك الشرطة ( كانت التنظيمات السرية داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، تلجأ إلى استقطاب عناصر الأمن والقوات المساعدة والجيش إلى صفوفها ، كما تبين ذلك من خلال ملفات محاكمتي 1971 و 1973) ، اكترى المرابطين دكانا لمساعدة البخاري على فتح ورشة صنع وإصلاح الموازين، في نفس الوقت كان هذا الأخير يساعد المرابطين على ملئ الأوراق الرمادية، لأنه يملك خطا متميزا. وأنه عندما رأى  شوجار لأول مرة في تلك الليلة، اعتقد بأنه شيخ العرب ،وذكر شوجار في محضر الشرطة 55/44 بأنه لم يسبق له أن رأى البخاري في مقر الحزب وكان وسائل الإعلام العمومية قد نشرت بلاغا تعد فيه كل من قدم معلومات حول شيخ العرب ، سيحصل على 30 مليون ورخصة حافلة. ( بين أبريل ويونيو 1964، احتلت قضية شيخ العرب الواجهة الإعلامية والشعبية ، مع حدوث اصطدامات مسلحة بين أنصار شيخ العرب و قوات الأمن في الحدود الجزائرية المغربية وفي الدار البيضاء). حين حل الشعبيوشوجار بآسفي، كانا يمضيان الليل بدكان البخاري ، إبان نقاش ساخن بينه وبين المرابطين ، كانت للبخاري قناعة مطلقة أن شوجار هو شيخ العرب.

تسارعت الأحداث بعد ذلك، ليتم اعتقال المرابطين في الدار البيضاء يوم 17 أبريل 1964، اختفى بعدها البخاري من آسفي التي انتشرت فيها قصة البخاري والمرابطين ، وفق رواية هذا الأخير . سيتم اعتقال الشعبي أيضا في غشت 1964، بعد أن التقى صدفة بالبخاري في حديقة بالدار البيضاء ، والذي ابتدأ فيها حياة جديدة . ( حديث خاص للشعبي ) .

يتذكر البخاري تاريخ اعتقال كل من المرابطين والشعبي جيدا ، فقد ذكر في سياق آخر لجريدة الاتحاد الاشتراكي ، بتاريخ 6 غشت 2001، ما يلي: ” …فالمغرب آنذاك كان يعيش حالة حصار وحالة استنفار قصوى من جراء ما كان يعرف بقضية شيخ العرب ، وتحديدا من أبريل إلى غشت 1964 …” إن هذا التذكر الجيد لتاريخ أبريل وغشت 1964، يحيلنا إلى تاريخ اعتقال كل من المرابطين والشعبي ، إثر وشاية من البخاري كما أسلفنا من قبل.

إذا صحت رواية البخاري عن نفسه حين يتحدث عن “توقيفه” من سلك الشرطة حوالي سنة 1961 ، وإذا كانت المعلومات الواردة في محضر الشرطة القضائية رقم 55/44 حقيقية ، وإذا صحت روايتي المرابطين والشعبي وآخرين ، فإنه ليس من المستبعد أن يكون البخاري قد أعيد إلى سلك الأمن في صيف 1964.

وردت في جريدة الأحداث المغربية ، بتاريخ 7 و 8 غشت 2001، معلومات هامة عن مسار الراوي البخاري، وتنحو إلى ما طرحناه أعلاه ، فهو يؤكد قرار الطرد من سلك الشرطة في سنة 1961 ، ويقول: ” رغم قرار الطرد فإن علاقتي لم تنقطع مع الكاب 1 .

إذا كان الرجل قد التحق بمصالح الكاب 1 في النصف الثاني من سنة 1964( بعد اعتقال المرابطين والشعبي ) ، وهو يصرح لنفس الصحيفة ، بتاريخ 8 غشت 2001 ، بأنه ، ” منذ 1965 ، لم أعد حارسا للأمن، اجتزت المبارة، وأصبحت ضابطا للشرطة “، فإن السياق الكرونولوجي للأحداث كما وردت في هذه الروايات يعضد هذا الطرح. رغم أن العشعاشي و زملائه يقولون بتوقيفه عن العمل في شهر غشت 1965 ، وإذا كان هذا صحيحا فعدد التوقفات و الطرد من العمل في الحياة المهنية للبخاري في سلك الشرطة العادية وفي مصالح الكاب 1 وصل إلى ثلاثة.

وإذا كان هذا الاستنتاجات جميعها صحيحة ، فيصعب قبول ما ورد على لسانه أو في كتابه السر من معلومات حول هذه  المرحلة، التي يقول عنها أنه استقى معلوماته عنها حين كان يمارس مهاما داخل مصالح الكاب 1 . و لا يمكن ، مهما كانت هلامية جهاز الكاب 1 ، أن يكون مطرودا أو متوقفا عن العمل ، وفي نفس الوقت حاضرا في مراكز التخطيط والقرار.  وربما هذا الغموض في الزمان والمكان والهوية، هو الذي يفسر نوعا ما التناقضات والاضطرابات الكرونولوجية في حكي البخاري، ويتجلى ذلك بالخصوص في كتابه السر، الذي يتضمن معلومات مضطربة و متناقضة حول التاريخ السياسي المعيش.

2-         تشبه تصريحات البخاري من أول رواية أواخر يونيو 2001 ، إلى كتابه السر المنشور في 2002 ، مرورا بعدد من الاستجوابات في المنابر الإعلامية والمرأية ، تشبه كرة الثلج ، التي تتضخم كل ما تدحرجت. فعدد من المعلومات الواردة في ” السر ” نشرت من قبل في عدد من المنابر الإعلامية والكتابات ، كما أن الاضطراب الحاصل في تتبع القضايا التنظيمية والسياسية داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، يضع موضع الشك أن الرجل كان ضمن خلية مكلفة بحزب بن بركة، فالحديث مثلا عن فرع الحزب بالرباط، يبرز جهل الرجل بالجانب التنظيمي داخل الحزب، فتنظيم الاتحاد كان يتشكل من كتابة إقليمية حزبية وفروع إقليمية للقطاعات و ومكاتب الفروع: المدينة و يعقوب المنصور ودوار الدوم / اليوسفية و التقدم المعاضيد وأخيرا فرع سلا، وهذه التوزيع التنظيمي الذي عرفه الاتحاد الوطني للقوات الشعبية منذ 1962 على الأقل لا يمكن أن يغيب عن ” ضابط ” مكلف بمراقبة الحزب. ( قارن بين ما ورد في كتابنا ، من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي   والمعلومات الواردة هي أقرب 959-1983، وما ورد في كتاب البخاري السر ، عن الأحداث التي تعرض لها الاتحاد الوطني .هذه المعلومات الواردة في رواية البخاري استندت إلى مقالات صحفية وليس إلى جذاذات استخبارية. ( تضمنت محاضر الشرطة القضائية المرتبطة بمحاكمة مراكش مثلا ، جذاذات صادرة من الاستعلامات العامة حول الأشخاص المعتقلين . أرشيف مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد).

وإذا كانت أسماء الشخصيات في أجهزة الكاب 1 قد ذكرت في عدد من محاضر الشرطة القضائية نفسها ، المستندة إلى محاضر الكاب 1 ، كما اعترف بذلك مسؤولوها في هذه المرحلة، وإذا كانت أسماء أخرى قد ذكرت أيضا في جلسات محاكمتي مراكش( جلسة استنطاق رمسيس والتانوتي وعبد اللهالمانوزي)  و القنيطرة ( استنطاق دهكون ) ، وإذا كان بعض مناضلي الاتحاد قد كشفوا عددا هاما من الأسماء العاملة في مختلف الأجهزة الأمنية منذ 1966، وإذا كان الجهاز نفسه وطريقة عمله ، موضوع اهتمام من لدن بعض قادة الاتحاد ، كما أبرزنا منذ سنة على صفحات هذه الجريدة في دراستنا حول المخطوط الذي كتبه عمر بن جلون في السجن ، في شتنبر 1964 : أمراء النزعة الانحرافية العمالية.، فإن الجانب المتعلق بأسماء جل العاملين بهذا الجهاز يبقى هاما في رواية البخاري ، وكيف ما كان وضعه داخل هذا الجهاز، بوابا أو ضابطا ، وإذا كانت كل المعلومات الواردة صحيحة ، فإنه لأول مرة تكشف مرحلة هامة من تاريخ هذا الجهاز ، على مستوى العاملين فيه، ونعتقد أن الأمر ليس متعلقا بصحوة ضمير من منتم سابق لهذا الجهاز، بقدر ما يكون أقرب إلى قرار للكشف عن بعض من ماضي الأجهزة التي ارتبط تاريخها بالاختطاف والقمع والاغتيال. وما يقلق في روايات البخاري ، المتعلقة بسبب الكشف عن ” تاريخ ” الكاب 1 ، فهو مرة قد تأثر لما رأى صور عائلات المختطفين في التلفزيون ، ومرة أخرى  كان سبب ذلك هو رد الفعل عندما قرأ كتاب سميث ،الذي تضمن أخطاء كبيرة ، ومرة أنه اتصل بلوموند منذ شتنبر 2001 ، وبعث لهم برسالة ” اقترحت فيها خدماتي التي كانت عبارة عن مقالات تهم المصالح الخاصة بالمغرب. وعندما توصلت بالجواب اتصلت ببوكر الجامعي مدير جريدة لوجورنال الذي اهتم بالأمر(…) وكنت عندما رغبت في الحديث لا أنوي إثارة موضوع بن بركة، بل كنت أنوي الحديث عن المصالح الخاصة مثلا الكاب 1…” ( الأحداث المغربية بتاريخ 8 غشت 2001 ).

نصل إلى بيت القصيد ، أي ما تعلق بعملية اغتيال بن بركة،  فكما أوردنا أعلاه ، تضاربت المعلومات  بين أول رواية وما تلاها من تصريحات. ويبقى الشيء الوحيد “الجديد” فعلا ، هو تذويب الجثة . وقد صرح البشير بن بركة في استجواب له مع أسبوعية الصحيفة ، عدد 25 بتاريخ6-12 يوليوز 2001 ، بالقول: ”  لم نفاجأ بشكل كبير ، لأن هناك أشياء نحن نعلمها مثلا بخصوص القرار السياسي في هذه العملية، كذلك حول دور وزير الداخلية ومدير الأمن ، حول دور المخابرات الأمريكية، طبعا الجديد في الموضوع هو مصدر التصريح، أي الشخص الذي كان يشتغل من داخل الجهاز الأمني، وكذلك الأسماء الإضافية التي أشار إليها…” . وهذا دليل على الأقل أن البخاري كان يعرف عدد من هؤلاء.

3-         لقد رد ثلاثة مسؤولين سابقين على تصريحات البخاري ، إضافة إلى مفتش أمن عمل أيضا ضمن هذه الأجهزة ، كما يقول لمدة زمنية قصيرة . و كذبوا جل ما ورد في رواياته. لكن ردهم اختفى وراء هاجس العواقب الجنائية ، الشيء الذي جعل هذه الردود محصورة في نطاق يعطي لتصريحات البخاري قوة إضافية ، فلم تمس هذه الردود بناء رواية البخاري من أسسها ، واكتفت بالجانب الجنائي في تصريحاته . وعندما طرحت أسئلة حول طرق عمل أجهزة الكاب 1 من لدن الصحفي محمد أبو يهدة من الأحداث المغربية، عدد 916،، 24 يوليوز 2001  ، كانت الأجوبة أنهم لا يعرفون دار المقري ، وكما كتب ابويهدة : ” بدأت كل عبارات النفي والإنكار تغلب على إجابات العشعاشي ورفاقه: ” لم نكن في فرنسا.. لم يكن الكاب 1 مهتما بما يقع في الخارج..لم تكن لدينا فرق للاختطاف والاغتيال.. لم نكن نستنطق أحدا..لا تهمنا دار المقري( نحن لا نعرف هذا) ..لم نكن نعلم بقضية المهدي بن بركة …لم ولم ولا…هكذا كانت تبتدئ كل إجابات محمد العشعاشي وصاكا و و المسناوي الذين كانوا يعملون ضمن مصلحة محاربة قلب النظام” . لكن ما يثير الانتباه هو الحديث  عن التونزي  ميلود أو الشتوكي . جاء في إجابة العشعاشي : ” هذا الشخص لا علاقة لي به ولم يكن معنا قط في المصلحة التي عملنا بها، ليست لدينا دعوة به  ميلود التونزي أحيل على الإدارة العامة للأمن الوطني، ومن أراده فليذهب للبحث عنه . لو كان معنا في المصلحة لسجله بوخاري في التصميم الذي وضعه للكاب 1 ..” فقد استعمل مصطلح ” أحيل ” مبنيا للمجهول ، فأين كان التونزي ليحال إلى الإدارة العامة للأمن الوطني  ، الملاحظة الثانية تكمن في النصف الثاني من هذا الجواب ، الذي قد يقود إلى الاعتراف بأن ما ورد في تصميم البخاري للكاب 1 صحيحا .

داخل هذه التصريحات والروايات المتنافرة ، تضيق الدائرة حول العناصر التي خلدت إلى الصمت ، ويتعلق الأمر بالخصوص بعبد الحق العشعاشي وميلود التونزي والحسوني ، أو ما سيسمى فيما بعد بمجموعة الدليمي . التساؤل المطروح ، ألا يعني ذلك كله أن أصدقاء البخاري ، الذين حكوا له عما جرى لبن بركة ، كانوا يستحضرون واقعة البخاري مع المرابطين وشوجار ، إذا ما أخدنا بعين الاعتبار الضائقة المالية التي كان يمر منها البخاري ( قضية الشيكات والسجن في سنة  1998، وهناك قضية ثابتة في روايته عن زملائه الآخرين، هو الحديث عن وضعيتهم المالية الجيدة في خريف أعمارهم ) ، وأنه شحن براوية لترديد فصول معطرة بمعلومات تعود إلى أيامه عن الكاب 1 ،

ما يثير في روايات البخاري أنها تمزج بين معلومات داخلية للتسيير الإداري لجهاز الكاب 1( وقد يكون ما رواه البخاري في هذا الصدد صحيحا) والتاريخ السياسي المعيش المعروف . روايات قد يكون عمقها السياسي إنهاء قضية بن بركة وآخرين ، لا داعي للبحث عن بقايا عظامهم ، لأنها أذيبت في سائل لا يبقي ولا يذر. وإذا كان هذا صحيحا فمن هي الجهة التي تقف وراء كل هذا ؟ هل هي جهات فرنسية أم مغربية أم هما معا ؟ إنها أسئلة فقط …

4 )   يمكن أن يكون البخاري قد استقى معلوماته من لدن ” أصدقائه ” في الكاب 1 ، إذا لم تكن هذه العملية في حد ذاتها فخا نصب للبخاري نفسه، وقد يكون اطلع على ملفات تخص المهدي بن بركة كانت قابعة في أحد مكاتب هذا الجهاز ، وقد يكون عارفا بأسماء مسؤولين محليين وجهويين لهذا الجهاز، لكن أن يكون مالكا لكل تفاصيل ما كان يجري في الكاب 1 ، وحتى في سنوات فصله من العمل ، فهذا لا يستقيم ومنطق الأشياء. وما يقلق أكثر في روايات البخاري سواء للصحافة المكتوبة أو المسموعة أو المرأية ، هو إصراره على تبرئة المخابرات الفرنسية من عملية اختطاف واغتيال بن بركة . إن الموضوع أكبر بكثير من ضابط في جهاز الكاب 1 أن يعرف ما كان يجري في أجهزة الأمن الفرنسية ، والعكس هو الصحيح ، هو أن بن بركة أصبح في سنة 1965 ، شخصية لها أبعاد عالمية ، واهتمت أجهزة المخابرات الفرنسية والأمريكية والإسرائيلية بملف بن بركة ، وهذا الجانب هو الذي يصر عليه دفاع عائلة بن بركة ، بالمطالبة برفع السرية عن وثائق  المخابرات الفرنسية والأمريكية والإسرائيلية، لأن هذه الوثائق ستبرز البعد الدولي لعملية الاغتيال. ونعتقد ، من خلال وثائق محاكمة باريس و ما نشر من مقالات ودراسات ، أن الأجهزة الأمنية المغربية أيضا لها مسؤولية كبيرة في تنفيذ خطة اختطاف بن بركة ، وحملت مسؤولية مصير الرجل الذي يحمل الجنسية المغربية، وإذا كان بن بركة قد قتل يوم 29 أو 30 أكتوبر، لماذا لم يتم التخلص من جثته في فرنسا، خصوصا وأن الروايات جميعها تقول إن الطاقم المغربي كانت له إمكانية لوجيستيكية هامة في التراب الفرنسي، فهل كان هناك تعاقد بين أوفقير ومن خطط معهم لاغتيال الرجل على حمل جثة بن بركة خارج فرنسا؟

ومهما يكن من التساؤلات حول مصير جثة بن بركة ، يصعب أن نستهلك الصورة التي قدمها البخاري من خلال روايته بأن رجال الكاب 1 كانوا أكثر قوة من جهاز السديك الفرنسي ، في حين أبرزت بعض الكتابات الفرنسية أن جهاز المخابرات الفرنسي كان من القوة بمكان ، بل كان يعتبر المغرب قاعدة هامة لممارسة نشاطاته في شمال إفريقيا بالخصوص . وكما بيننا أعلاه من خلال التعرض إلى التقارير التي حررت في دهاليز السديك أو الاستعلامات العامة الفرنسية ، فإن هذه الأجهزة كانت عالمة بالتحركات التي يقوم بها رجال الكاب 1 في فرنسا.

رواية  رأوف أوفقير

أصدر رأوف أوفقير كتابا تحت عنوان : ” الضيوف، وصدر الكتاب في 519 صفحة ، عن دار النشر فلاماريون – باريس – 2003 . ويخصص الصفحات الأخيرة منه  لقضية بن بركة(511-518)

يمكن أن نقسم كتاب رؤوف أوفقير إلى جزأين ، الأول الخاص باعتقال عائلة أوفقير دون محاكمة لمدة عقدين من الزمن ، وما عانته خلال ذلك من شظف العيش والعزل والمعاناة والألم ، بعد حياة القصور والترف والسلطة ، أما الجزء الثاني فيخص الحياة السياسية للمغرب من الاستقلال إلى غشت 1972 ، ولا تحمل المعلومات الواردة في الكتاب أي إحالة ببلوغرافية ، فيمتزج حكيه عن الاعتقال بالأحداث السياسية ، وقد خضع الكتاب بمهنية كبيرة لعملية مونتاج ، لاستهلاك الأحداث السياسية ، كما يرويها أوفقير الابن ، داخل الحكي عن التجربة المريرة التي عاشتها عائلة أوفقير ، وسعى إلى تركيب صورة أخرى للجنرال أوفقير مناقضة للصورة التي يعرفها الجميع ، بيد أن هذه العملية تخللتها أخطاء وتناقضات عديدة على مستوى الخبر والتحليل وبناء الأحكام ,انطلاقا من روايات شفوية ، لها موقف ضمني من حزبي الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، وشكلت قضية تبرئة الأب من اغتيال  المهدي بن بركة هاجسا لدى رؤوف أوفقير ، غير أن بن بركة  لم يسلم أيضا من أوفقير الابن ، فكال له تهما عديدة لتبرير مسؤولية الجنرال في أعمال القمع والاغتيالات التي عرفها المغرب خصوصا بعد 1960.

اعتمد رؤوف أوفقير ، الذي كان عمره 15 سنة عند قام والده بمحاولة الانقلاب ، على روايات ذات موقف سلبي من المهدي بن بركة وحزبي الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية ونجد عددا من الأحكام الضمنية والواضحة بخصوص الصحراء المغربية والصراع العربي الإسرائيلي والتاريخ الاستعماري بالمغرب .

. جاء في كتاب أوفقير الابن ، أن والده كان على اتصال بالمخابرات الفرنسية في المغرب وفي سرية تامة مع أحد الضباط اسمه هنري ( ص 307 )

استضاف أوفقير أيضا في الرباط، الجنرال الفرنسي المتقاعدLe général Pierre George Boyer de la Tour   .   نشرت مجلة Le Nouvel Observateur  ، في عددها الصادر بتاريخ 21/8/1972 ، مقالا تحت عنوان : ” سر أوفقير ” ، كتبه كل من Jean Pierre Joulin  و Alia  Josette  أن أوفقير قام بزيارة ، طويلة الأمد نسبيا ، إلى باريز في شهر ماي 1972 ، والتقى برجال أعمال لحثهم على إبقاء أنشطتهم بالمغرب ، رغم إدانة أوفقير في قضية اغتيال بن بركة من لدن محكمة الجنايات بباريز ، قام بزيارات متعددة إلى فرنسا

يقدم رِؤوف أوفقير حدث اختطاف بن بركة إلى حين تسليمه إلى بوشسيش ، الذي قال لبن بركة أنه هنا من أجل سلامته. ويتبنى رؤوف أوفقير الرواية القائلة بأن والده وصل إلى باريس يوم 30 أكتوبر 1965 ، في الساعة الخامسة والنصف ، أي 29 ساعة بعد عملية الاختطاف. يشكك رؤوف أوفقير في رواية فيكون التي تقول بأنه رأى الجنرال أوفقير وهو يجهز على بن بركة بخنجر. ثم يتعرض أوفقير الإبن إلى الحملة الصحفية التي واكبت الحدث ، والتي خلصت في معظمها إلى تورط عددا من رجال العصابات ومصالح الاستعلامات ومساعدي جاك فوكار في عملية اختطاف بن بركة ( كما شرحنا ذلك سابقا شغلفوكار منصب الكاتب العام لقصر الإليزي، وقد ورد اسمه في التحقيق الذي أجري مع سوشون يوم 11 نوفمبر 1965، لكن المراقب العام بوفيي طلب منه الصمت، وعدم ذكر اسم هذا المسؤول للمحققين) . ويتابع أوفقير الإبن أن العملية أثارت حفيظة الجنرال دوكول في البداية ، لكن الأمور ستنزع نحو التهدئة لأن الدولة الفرنسية فضلت مصلحتها أولا، وطلب من المتهمين التزام الصمت. وأن الأرشيف المتعلق بالقضية ما زال يخضع للسرية.

تسائل رؤوف أوفقير لماذا تزامن وجود الجنرال مع حدوث عملية الاختطاف ، هل كان الهدف من ذلك إجبار بن بركة على دخول المغرب ، أو كما يقول آخرون، منعه من الرجوع إلى المغرب. يصل أوفقبر الابن بعد ذلك إلى المحاكمة التي مرت من مرحلتين انتهت بإعلان الحكام في 5 يونيو1967 ، والتي أدانت الجنرال أوفقير  وسوشون ولوبيز ، في حين برأت ساحة الدليمي وآخرون ، ويستشهد رؤوف بما كتبه جيل بيرو حول الموضوع من أن تبرئة الدليمي تفرغ إدانة أوفقير( ورد هذا التقييم في عدد من المقالات التي صدرت غداة إعلان الأحكام ).

يتساءل أوفقير الابن إلى أين وصلت قضية بن بركة الآن، ويجيب بأنها ظلت و مازالت لغزا محيرا ، وأنه منذ سنوات ، تكشف ” حقائق” لتزيد من ” تخيلات” البعض , ويذهب رؤوف أوفقير إلى المصالح السرية المغربية وبمساعدة السديك أو بعضا من أجنحته ، وبمشاركة مصالح المخابرات الفرنسية والموساد قد نظمت عملية الاختطاف، ويضيف لكن ما هو الهدف من هذا، هل كان الأمر يتعلق بحمل بن بركة إلى المغرب لوضعه أمام خيارين، إما أن يقبل بالتعاون مع ” النظام ” ، أو يتم تنفيذ حكمي الإعدام الصادرين في حقه.

لكن أوفقير الابن يطرح أيضا افتراضا آخر مفاده أن العملية كانت تستهدف تخدير بن بركة وانتزاع الرقم السري لحسابه في سويسرا ، وأن ذلك سيمكن من معرفة خطط تمويل المنظمات الثورية العالمية ، وأن ذلك أيضا سيمكن الأمريكيين والفرنسيين والإسرائيليين من توجيه ضربات للحركات المناهضة للغرب و للإمبريالية ، وأن عودة بن بركة وقبوله بالأمر الواقع في المغرب ، سيجعله خائنا في أعين المنظمات الثورية العالمية. كما أن تحييد رجل يقود حركات التحرر الثورية سيشكل مكسبا هائلا بالنسبة للدول المعنية.

بعد ذلك يصل أوفقير الابن إلى التساؤل عن موقع والده في كل هذا، ويجيب بأن أوفقير وانطلاقا من مسؤوليته كوزير الداخلية ، كان عليه أن ينفذ الأوامر ، وأن يعمل على إقناع المصالح السرية الأجنبية بالمشروع ، وأنه لو كان الأمر متعلقا بالتصفية الجسدية لبن بركة ، لما ارتكب الجنرال خطأ المجيء إلى باريس 29 ساعة بعد عملية الاختطاف ، وفي الوقت الذي بدأت فيه وسائل الإعلام تتحدث فيه عن اختطاف زعيم اليسار المغربي . يتساءل أوفقير الابن بعد ذلك ماذا كان يفعل والده آنذاك في باريس ، هل كان الأمر يتعلق فقط بالصدفة؟ وأن المنطق في كل هذا يؤدي إلى أن اللقاء الذي كان سيقع بين المبعوث المغربي والمهدي بن بركة قد تحول إلى خطإ.

يتطرق أوفقير الابن إلى طرحين تدوولا في الأوساط الرسمية:

الأول هو أن بوشسيش  ضرب بن بركة بعقب مسدس على قفاه بمجرد دخوله الفيلا ، وأن هذا الأخير لم يتحمل الصدمة فتوفي على الفور ، خصوصا وأن عملية جراحية أجريت له في نفس الموقع  عندما تعرض ” لحادثة”. ( يتعلق الأمر بمحاولة اغتيال وقعت يوم 16 نوفمبر 1962 )، وأن أوفقير أرسل إلى عين المكان لفك تداعيات المشكل.

الطرح الثاني ، ويتعلق بالمخدر الذي حقن به بن بركة من أجل استنطاقه قد هيئ من لدن مصالح سرية أخرى، للإجهاز مرة واحدة على بن بركة ، وأن خطة الموت السياسي تحولت إلى جريمة قتل، و يتابع أوفقير الابن أن الهدف من ذلك هو التخلص من بركة، وفي نفس الوقت محاصرة الجنرال أوفقير في وضعية تقطع عنه كل الارتباطات الخارجية ، في حالة تفكيره في انقلاب عسكري.

يصل رؤوف أوفقير إلى الرواية التي نشرت في جريدة لوموند حول اغتيال بن بركة ، ويؤاخذ ما ذهبت إليه هذه الجريدة من الحديث عن الحقيقة في قضية لها تشعبات متعددة ، ومدة زمنية تجاوزت 36 سنة من التحقيق القضائي الذي لم يصل بعد إلى فك ألغاز القضية، في حين استندت حقيقة لوموند إلى تصريحات موزع كلمات، ويتساءل رؤوف أوفقير كيف استطاع موزع المكالمات في الكاب 1 أن يفك، بشكل بقيني، قضية لها تشعبات عالمية ، ومن أعقد القضايا التي عرفها القرن العشرين. وحاول أوفقير الابن أن يبين نقائص الرواية التي قدمتها لوموند حول مقتل بن بركة على يد الدليمي و أوفقير ليلة 29 أكتوبر ، وأن الرواية اختزلت كلها في 5 مكالمات هاتفية. ويستغرب من أن الأمور مرت كلها من خلال مكالمات هاتفية عادية مع موزع كلمات في مكاتب الكاب 1 المقفرة بدون وجود أي مسؤول للإشراف على لتنفيذ عملية من هذا الحجم . ويضع أوفقير الابن تساؤلا عن العلاقة بين المكالمات التي كانت تمر عبر الكاب 1 ، وكيف أن نفس الراوي قال بعد ذلك أن الجنرال والدليمي عادا مرة اخرى إلى باريس لإعطاء التعليمات التي لا يمكن أن تمر عن طريق المكالمات الهاتفية، وكأن هناك تمييزا في العملية بين  شقيها الأول والثاني.

يتساءل  أوفقير الابن كيف تحول موزع المكالمات إلى منسق لعملية من هذا الحجم، وكيف أن البخاري الذي يبرز نفسه من خلال هذه الرواية أنه عارف بدقائق الأمور ، كان يجهل فيما إذا كان أوفقير قد توجه إلى فاس في ليلة 29 أكتوبر ، للالتقاء بالملك . ويقول رؤوف أوفقير ، انه يستحيل عمليا أن يصل أوفقير إلى فيلا بوشسيش حوالي منتصف الليل من ليلة  أكتوبر29 ، في حين يقول موزع المكالمات أنه رأى الجنرال في مكاتب الكاب في الساعة السابعة مساء بالتوقيت الفرنسي ، وإذا كان قد انتقل إلى فاس ، ثم الزمن الذي يستغرقه حضوره في فاس ، ثم امتطاء الطائرة، ثم زمن الرحلة من مطار فاس إلى مطار أورلي ، فزمن المسافة من المطار إلى فيلا بوشسيش ، و إذا كان بن بركة قد اغتيل بوقت قليل بعد منصف الليل ، يقول رؤوف  أوفقير،  يستحيل عمليا أن يكون أوفقير في فرنسا ليلة 29 أكتوبر ، ثم يستند إلى رواية لوبيز أثناء المحاكمة كما رواها ستيفان سميث ، والتي يقر فيها بأن الجنرال وصل إلى باريس في اليوم التالي في الساعة السابعة والنصف ، أي 29 ساعة بعد اختطاف بن بركة. و يتابع رؤوف أوفقير ، حتى لو سافر والده بطائرة عسكرية للنقل ، والتي كانت في ذلك الزمن  من نوع هليس داكوتا ، يستحيل أن تصل إلى باريس قبل 5 ساعات . ويتعجب أوفقير الابن كيف أن رواية البخاري، الوحيدة وغير المباشرة، تصبح اليوم أكثر صدقا من  المعلومات التي  تحققت منها المحكمة.

رغم تشكيكه في رواية البخاري يقبل رؤوف أوفقير بأن هذه الرواية قد كشفت الغطاء عن أشخاص جدد يجب مسائلتهم من لدن العدالة. وينهي أوفقير الابن مناقشته لموضوع بن بركة بوضع تساؤلات حول المسار الذي أخذته القضية  فلماذا لم يستطع خمس رؤساء الجمهورية الفرنسية من الحسم في القضية، ولماذا لم تستجب الحكومة السويسرية والأمريكية لطلب الدفاع ، ويستند أوفقير الابن إلى تصريح للبشير بن بركة فيما إذا كانت هذه الحقيقة قد تزعج أوساطا داخل فرنسا نفسها .

في طيات كتب ” الضيوف ” نعثر على وصف لذكريات رؤوف الطفل ، عندما كان في نفس الزمن الذي اختطف فيه بن بركة ، يتابع دراسته مع أخته في مدرسة بكاستاد بسويسرا . يحكي رؤوف كيف أن والده وصل إلى جنيف يوم 31 أكتوبر بصحبة أمه ، وقضيا الليلة بأوطيل بريزيدان ، وفي اليوم الموالي قصدا كاستاد لزيارة ابنيهما رؤوف ومريم وتناول الجميع العشاء في مطعم ، ويتذكر رؤوف أوفقير أن والده كان شاردا ، منغمسا في التفكير ، وأحس لديه بشعور المرارة. سمع رؤوف أمه تسأل عما جرى بعد اختفاء بن بركة ، وتسأله فيما إذا كان وراء العملية ، فأجاب بالنفي. ويضيف رؤوف بأن والده غادر جنيف في اتجاه باريس يوم 2 نوفمبر1965 ( رؤوف أوفقير . الضيوف. المرجع السابق. ص 117 )

بعد ذلك يضيف أوفقير الابن أنه أصبح محاصرا ومتابعا ، وتم تخصيص  حراسة فردية له بعد أن وقعت حوادث غريبة له ولأخته في سويسرا. وانتهى الأمر بعودة  رؤوف ومريم أوفقير إلى المغرب ، وأن الحراسة تقوت حول أبناء أوفقير، لينتهي رؤوف أوفقير إلى خلاصة مفادها أن مكانة الجنرال داخل القصر لم تعد كما كانت ، في حين  أخذ نجم الدليمي في تصاعد مستمر . وربط كل ذلك بقضية اختطاف بن بركة ، وهي نفس الأطروحة التي تبناها رؤوف في الأوراق لتي خصصها في نهاية كتابه لقضية بن بركة.

يوظف إذن رؤوف أوفقير الحكي  المرتبط بحياته منذ عودته من سويسرا لتفسير أن آلية وضعت لمحاصرة عائلة أوفقير ، من خلال ” تهديد خيالي ” لحياة العائلة وربط ذلك بانعكاسات اغتيال بن بركة .  في هذا التفسير الذكي يبرأ رؤوف أوفقير والده من عملية اختطاف واغتيال بن بركة.

الخلاصات

إن ما قدمناه من معلومات حول قضية اختطاف واغتيال بن بركة ، يستند بالأساس إلى ما تم نشره طوال أربعة عقود ، سواء تعلق الأمر بوثائق لعدد من المؤسسات الفرنسية ، أو ما نشر من كتابات حول الموضوع في الصحافة المكتوبة ، أو التآليف التي أنجزت من بعض المتهمين لتقديم رواياتهم حول الموضوع ، إضافة إلى وثائق داخلية لحزب الاتحاد الوطني / الاشتراكي للقوات الشعبية. الأجهزة الأمنية المغربية وحدها فقط ظلت صامتة ، بينما تحمل الجانب المغربي الرسمي الواجهة السياسية للقضية سواء من خلال التعاليق التي كانت تذاع في الإذاعة المغربية ووكالة المغرب العربي أو الندوات الصحفية الرسمية ، أو الحملة الدبلوماسية التي قادها مبعوثون مغاربة ، ومن هنا برزت أهمية رواية البخاري حول قضية بن بركة، لكونها جاءت على لسان أحد الذين اشتغلوا في جهاز الكاب 1 .

رغم هذه المعطيات المتناسلة ، والمتناقضة في أحيان عدة ، على امتداد ما يقارب الأربعة عقود  ، فإن ما خفي من الوثائق و الأسرار أعظم ، وهذا يبرز التداعيات العالمية لهذه القضية إلى يومنا هذا، بحيث ما زالت الدول المعنية ترفض الرفع الجزئي أو الكلي للسرية عن ملف بن بركة ، وهذا يفسر بدون شك أن مصالحها مهددة داخليا أو خارجيا بالحقائق التي تحتضنها ملفات دهاليز عدد من الأجهزة الاستخباراتية العالمية.

 

الطرح الجنائي : تعددت روايات القتل والجثة واحدة

تعددت إذن المصادر التي كشفت أو باحت بجزء مما وقع ، وبتعدد الروايات تعقدت الحقيقة المرتبطة بمصير بن بركة ، الذي تحولت منذ ظهيرة يوم 29 أكتوبر 1965 ، إلى خيوط دخان ،ونكتشف في كل رواية أننا كنا نطارد خيط دخان، ومع كل رواية تتحول الحقيقة إلى سراب، مع أن عدد من الرواة كانوا شهودا على فصل من فصول قصة الرجل الذي توفي منذ ما يقارب الأربعين سنة ، لكن لا أحد استطاع دفن جثته . ويمتد قبر بن بركة عميقا في  زمن  قارب الأربعة عقود ، وفي جغرافية، تنكسر أطرافها من ضواحي باريس إلى تربة دار المقري في ضواحي الرباط   تناقض الروايات يعقد حالة مصير الرجل، فالآمرون والمنفذون لعملية الاغتيال متعددوا الجنسية والمصالح ، وتظهر وكأنها مجموع حلقات كلما أزيلت حلقة ، تبرز حلقة أخرى وهكذا دواليك ، وتبدو القضية أشبه ما تكون بالدمية الروسية ، التي لا تنتهي.

تكاد الروايات جميعها تجزم بأن بن بركة انصاع لطلب سوشون وفواتو بمرافقتهما ، ولم يبد أي مقاومة. ولعل في هذا تبرير لما كتبه جيل بيرو حول الموعد الذي كان مقررا يوم السبت بين بن بركة و مسؤولين في قصر الجمهورية ، وربما اختار مهندسو عملية الاختطاف ، مخاطبة بن بركة – عن طريق ضابط الشرطة سوشون- بالموعد مع شخصية سياسية ، وفي الوقت الذي كان فيه بن بركة يفكر ، وفق هذا السياق ، في موعد الإليزي ، كان سوشون يفكر في موعد بين بن بركة وشخصية سياسية مغربية . وعندما نتصفح تصريحات سوشون منذ جلسات الاستنطاق الأولى إلى روايته حول الموضوع للصحفي برناردفيولي ، في كتابه ” قضية بن بركة ” ، الصادر بباريس سنة 1995 ، مرورا بكتاب سوشون نفسه ” أصمت أيها المتهم “، نستنتج أن الشرطيين الفرنسيين كانا فقط منفذين لأوامر صادرة من جهات عليا داخل جهاز الأمن ووزارة الداخلية ، الشيء الذي جعل الرجلين يسقطان في فخ العملية. وكشف الصحفي برناردفيولي في كتابه المذكور أعلاه أن جهات ما داخل جهاز الأمن الفرنسي تكلفت بأتعاب المحامين وبتعويضات الشرطيين . كما كشفت تحقيقات هذا الصحفي أن صاحب المكالمة الهاتفية من ” السيد أوبير ” ، في خط هاتفي داخلي للأمن الفرنسي ، صباح يوم 29 أكتوبر 1965 ، إلى سوشون للتأكد من أن هذا الأخير سيكون في الوعد ، قد أبانت أن المسألة قد تتعلق بجاك أوبير ،مدير ديوان وزير الداخلية آنذاك روجي فري ، وقد تكون أيضا صادرة من كابرييل أوبير ، أحد ضباط الأمن الفرنسي الذي كان منتميا إلى أمن باريس ، وهو من الضباط الفرنسيين الذين اشتغلوا في الاستعلامات العامة بالمغرب ، ابتداء من سنة 1954، في الوقت الذي تأججت فيه المقاومة المغربية ضد الاستعمار الفرنسي ، وعمل أيضا في الأمن المغربي إلى سنة 1959، ويعرف الساحة السياسية المغربية بامتياز، وقد تم اعتقاله إبان المحاكمة الأولى ، لكن لا أحد علم بمحضر الاستنطاق ، بما فيهم هيءة المحكمة والإعلام الفرنسي، وفي هذا دلالة كبيرة ، وتأكيد على الخط الذي اتبعته جهات أمنية متعددة داخل الدولة الفرنسية ، وإقبار الحقيقة المتعلقة بعملية اختطاف واغتيال بن بركة.

كانت الأجهزة الأمنية الفرنسية مكتظة بعدد من العملاء والضباط والمسؤولين الذين كانت لهم مواقف من الحركة الوطنية المغربية ، ويعرفون جيدا قادة المقاومة وجيش التحرير والقادة السياسيين ، ولذلك كانت عملية الاختطاف تجري تحت غطاء عدد من هؤلاء، بل إن موريس بابون والي أمن بريس ، اشتغلكاتبا عاما للحماية الفرنسية إلى جانب مهام أمنية بالرباط ، ومن ثم فهو يعرف جيدا بن بركة ، وكانت كافة الأجهزة الأمنية الفرنسية عالمة بوصول بن بركة إلى باريس ، عن طريق شرطة مطار أورلي. وإذا كانت أطراف داخل الجناح الدوغولي تعرف مسبقا بالاستقبال المرتقب لبن بركة في قصر الإليزي ، فالنتيجة أن عملية الاختطاف جرت كمشهد على خشبة المسرح كان المتفرجون فيه عدد من المسؤولين الفرنسيين ومن عناصر المخابرات الفرنسية ومن الموساد ومن المخابرات الأمريكية.

ورد في الجريدة الفرنسية الساخرة ، لوكنار أونشيني في يناير 1975 ، أولى المعلومات حول مراقبة الاستخبارات الأمريكية لعملية الاختطاف ، من خلال ذكر ثلاث أسماء:  Vernon Walters ، الرجل الثاني في  جهاز الاستخبارات الأمريكية العاملة في أوربا ، و Henri Tosca ، السفير الأمريكي بالمغرب إبان عملية الاختطاف،  و Robert Wells  أمريكي قاطن بالقاعدة العسكرية بالقنيطرة ، والذي كان يطلق عليه سفير السيا في المغرب . هذه الأسماء سبق ذكرها في شهادة صحفية تسمى Annette Lena  ، أدلت بها إلى محامي الطرف المدني إبان انعقاد المحاكمة ، ويتعلق الأمر بما فاه به صديقان لها يوم الاختطاف،  عندما كانت هذه الصحفية صحبة الكاتبين في مقهى ليب ، وعندما سألت الصحفية زميلها فيما إذا كان إزرا بوند سيتوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية همس زميلها في إذنها : ” لا تتفوه بهذا أمام أحد رؤساء السيا بباريس” . كان الأمر يتعلق بشخص يجلس في الطاولة الأمامية لواجهة المقهى  ، وإلى جانبه جلس رجل آخر متميز بطوله وملامحه السمراء ، تحرك كثيرا بين مقهى ليب ومحل آخر قريب منها. وعندما خرجت الصحفية من المقهى صحبة صديقيها، في الساعة الواحدة وخمس وأربعين دقيقة ظهرا، لمحت رجل السيا  والرجل الآخر على الرصيف قريبا من نفس المكان. كان رجل السيا خلالها يحمل حقيبة سوداء . وأن احد صديقيها Jean-Edern Hallier  تحدث إلى الرجلين مباشرة بعد خروجهم من المقهى، وأن الرجل صاحب الملامح السمراء قدم لهم كمثقف من أمريكا اللاتينية، لكن الصحفية قالت إنه لا يتحدث اللغة الفرنسية بلكنة أجنبية. وعندما ذكرت الصحفية صديقها فيما بعد بحدث اختطاف بن بركة أمام مقهى ليب وحضور رجل السيا ، نبهها هذا الصديق إلى عدم ترديد هذا أو أنه لم يقل لها شيئا. هذه الصحفية المصورة ستلقى حتفها بعد ذلك في حادثة سير .

اختلفت الروايات أيضا حول ردود فعل بن بركة حين صعوده سيارة الشرطة.

رواية بوريكات ، نقلا عن ديباي وبوشسيش ولوني وباليس، الفرنسيين ، تقول أنه بمجرد دخول بن بركة إلى سيارة الشرطة وجه له لوني لكمات ، فقد بعدها الوعي ، وحين وصوله فيلا بوشسيش شد وثاقه إلى حين وصول أوفقير والدليمي ، و تم تعذيبه بشدة إلى أن أجهز عليه أوفقير بخنجر.

رواية البخاري تقول أنه بعد حمل بن بركة إلى فيلا بوشسيش عومل بأدب وكياسة ، وأنه كان يتناقش مع مغاربة كانوا حاضرين في الفيلا ، ويتعلق الأمر برجال الكاب 1 ، لكن مع حضور الدليمي في مساء نفس اليوم ، شد وثاق بن بركة وبدا الدليمي في تعذيبه مع حقنه بمخدر ، ومع وصول أوفقير بعد منتصف الليل حقن بن بركة مرة ثانية بمخدر ، لكنه فقد الوعي نهائيا ليسلم الروح بعد ذلك، وهذه الرواية هي الوحيدة التي تقول بقتل بن بركة على يد الدليمي و أوفقير في ليلة 29 أكتوبر 1965. وحمل في صبيحة الأحد 31 أكتوبر إلى المغرب ليتم تذويب جثته في حوض بدار المقري في نفس اليوم.

رواية توفيق أوفقير تقول بافتراضين، الأول هو أن بوشسيش  ضرب بن بركة بعقب مسدس على قفاه بمجرد دخوله الفيلا ، وأن هذا الأخير لم يتحمل الصدمة فتوفي على الفور ، خصوصا وأن عملية جراحية أجريت له في نفس الموقع  عندما تعرض ” لحادثة” ، وأن أوفقير أرسل إلى عين المكان لفك تداعيات المشكل.

الافتراض الثاني ، ويتعلق بالمخدر الذي حقن به بن بركة من أجل استنطاقه قد هيئ من لدن مصالح سرية أخرى، للإجهاز مرة واحدة على بن بركة ، وأن خطة الموت السياسي تحولت إلى جريمة قتل،( وهي رواية ورد أصلها في المقال الذي كتبته جوزيت عاليا في النوفيل أوبسرفاتور . 2 فبراير 1966)، و يتابع أوفقير الابن أن الهدف من ذلك هو التخلص من بركة، وفي نفس الوقت محاصرة الجنرال أوفقير في وضعية تقطع عنه كل الارتباطات الخارجية ، في حالة تفكيره في انقلاب عسكري.

روايات لوبيز حول موت بن بركة تتنوع حسب السياق الذي تبلورت فيه ، لكنه بصفة عامة يقول إن بن بركة مات يوم وصول أوفقير والدليمي ، أي يوم السبت 30 أكتوبر 1965 ، وأن الجثة دفنت في غابة بأحد ضواحي باريس. في نفس السياق تنحو رواية الفرنسيين الأربعة لبوريكات ، التي تقول إن اثنين منهما وهما ديباي و لوني ، قطعا جثة المهدي، في حين تكلف باليس بإيصال الرأس إلى أوفقير ، الذي نقله إلى المغرب، وتم تسليم باقي الجثة إلى فرنسيين آخرين وهما Pilet  و Berthau  ، اللذان أخفيا الجثة في الاسمنت المسلح بمنطقة لواري. ويضيف بوريكات أن الرأس تم دفنها فيما بعد في دار المقري.( الصحيفة ، عدد 27. 20-26 يوليوز 2001 ). في نفس السياق تدوولت في فرنسا قصة المجرم الفرنسي Christian David ، الذي قتل أواخر يناير 1966 عميد الشرطة Galibert، ، والذي كان ينقب في قضية فيكون ، بعد “الانتحار”، وهرب كريستيان دافيد إلى البرازيل وأثناء اعتقاله صرح أنه تلقى أموالا هامة لإخفاء جثة المهدي بن بركة. سلم صاحب السوابق هذا إلى الولايات المتحدة حيث حكم عليه ب 20سنة سجنا . بعد عودته إلى فرنسا سنة 1990،  طرحت عليه القاضيةCatherine Courcol  سؤالا حول تصريحاته بصدد إخفاء جثة بن بركة، فأجاب أن أصدقاء له طلبوا منه إخفاء الجثة في حوض من الجير الساخن.

قد تكون هذه الروايات صحيحة إذ تلتقي في نقاط مشتركة ، لكن السياق الزمني الذي وضعت فيه قد يؤثر على مصداقيتها، إذ ربما تهدف إلى فتح بصيص من الأمل في الإنقاذ خصوصا إذا كان صاحبها مهددا بالموت ، وهي تصريحات تقصد فتح ملفات قضائية لعدم تطبيق حكم معين أو لوضع الأشخاص المعنيين تحت المساءلة القضائية لتجنيبهم مصيرا مجهولا، أو لإثارة الإعلام والرأي العام العالمي.

رواية فيكون التي نشرت في مجلة الاكسبريس 10 يناير 1966، تقول إن بن بركة عند إيصاله إلى فيلا بوشسيش أدخل إلى غرفة في الطابق الأول ، كان الرجل هادئا ، وأخرج كتابا من حقيبته، وطلب الشاي من ” مضيفه ” . صعد بوشسيش إلى الغرفة ليخبر بن بركة أنه وقع إكراه في الموعد ( مع شخصية سياسية ) الذي سيتأخر. بعد ذلك خلد بن بركة إلى النوم ، قام الفرنسيون بالاتصال بأوفقير والدليمي هاتفيا. أخبر ديباي بن بركة بأن الموعد تأخر إلى يوم السبت ، كما حملت إليه وجبة طعام  طبخته الخادمة المغربية في فيلا بوشسيش ، لكنه لم يأكل أي شيء،  في حين طلب المزيد من الشاي . وبعد نقاش بين ديباي وبن بركة استسلم هذا الأخير إلى النوم . في ظهيرة يوم السبت وصل الدليمي مصحوبا بالعشعاشي على متن سيارة لوبيز. دخل الجميع إلى بهو الفيلا ، حيث وضعت عدة أشياء أحضرها المغاربة. كان الدليمي وفق رواية فيكون ، منشرحا وباردا. عندما سأله بوشسيش ، ما ذا سنعمل ببن بركة ، أجابه الدليمي بشكل قاطع : سنصفيه ، فتساءل صاحب الفيلا مرة أخرى : كيف ، رد عليه الدليمي : هنا ، وبعد ذلك ندفنه في حقل. لكن بوشسيش اعترض في البداية على هذا ، لأنه لم يكن هناك اتفاق على قتل بن بركة. وبعد نقاش بين الدليمي والفرنسيين ، انتهى الأمر إلى وضع مخدر في فنجان شاي حمله ديباي إلى بن بركة” لتجنب مفاجأته” ، وانتظر الجميع ربع ساعة ، بعدها دخل بوشسيش وديباي وباليس ولوني إلى غرفة بن بركة ، الذي انتفض قائلا : ماذا يجري ؟ ، فوجه له بوشسيش لكمة، وانقض عليه الجميع بالضرب ، لكن شهادة فيكون تقول بأن بن بركة قاوم بشدة ، وهو الشيء الذي أثار ديباي ، فضرب بن بركة بأثاث على الرأس . أصبحت حالة الرجل يرثى لها من كثرة الضرب . بعد ذلك صعد الدليمي والعشعاشي إلى غرفة المعركة ، وعندما رأى بن بركة الدليمي أدرك نهايته . بدأ باليس بشد وثاق رجليه . بعد حضور أوفقير أخد خنجرا في يده وصعد إلى الطابق الأول ، وعندما رآه بن بركة بدأ في العراك مجددا بيديه الطليقتين ، وإذاك قال أوفقير : إني أعرف طريقة لتهدئته ، وبدأ يغرس الخنجر في رقبة بن بركة ، وفي أعلى الصدر. حمل بن بركة بين الحياة والموت إلى قبو فيلا  لوبيز غير بعيد عن سكن بوشسيش . هناك التقوا رجلا لم يكن معهم في فيلا بوشسيش( يقول لوبيز في رواية أخرى أن رجالا مغاربة كانوا موجودين في فيلته عندما عاد إليها يوم مساء يوم السبت، في رواية البخاري أن رجال الكاب 1 كانوا في فيلا بوشسيش ) ويعتقد فيكون أنه الرجل الذي حمل أوفقير بسيارة إلى فيلا بوشسيش. وهو الذي شد وثاق بن بركة إلى مسخنة كبيرة في القبو ، إلى درجة أصبح تنفسه بطيئا. بعد ذلك صعد الجميع إلى صالون الفيلا ، وهناك شرح لهم أوفقير أنه لم يحمل معه مستحقاتهم المالية ، وأنه غير راض على إجراء العملية في التراب الفرنسي. ولامهم على عدم اختطاف مرافق بن بركة، الطال التهامي الأزموري ، وأن الخطأ سيكون أعظم إذا ما لم يلزموا الصمت ، وأن أي خطإ سيكون قاتلا. بعد ذلك بدأ الجنرال في تفتيش محفظة بن بركة . وقال إن الأمر لا يتعلق فقط بتنحية خصم سياسي ، فبن بركة عدو لفرنسا وللإنسانية. وشكر في النهاية أعضاء عصابة باريس ، وأنه سيكون بحاجة إليهم في المستقبل.

في الزمن القريب جدا من عملية الاختطاف قامت الصحفية الفرنسية جوزيت عاليا بإنجاز روبورتاج عن الاختطاف بالمغرب ، ومن ضمن خلاصاتها في المقال المنشور في النوفيل أوبسرفاتور، 2 فبراير 1966، أن همسا يجري بالرباط ، وفي أماكن خاصة ، مفاده أن الأمريكيين فرضوا أن يتحول مشروع اختطاف بن بركة وحمله إلى المغرب ، إلى عملية تصفية جسدية. غير أن الصحفية الفرنسية لم تفصح عن مصادر خبرها هذا ، هل هي أوساط مغربية أم فرنسية ، لأنه في نفس الوقت اتهمت شخصيات وزارية فرنسية المخابرات الأمريكية بالضلوع في عملية الاختطاف والاغتيال.

يمكن بصفة تقريبية تقديم  الخلاصات العامة للروايات المتعلقة بقضية بن بركة:

1)     إن عملية الاختطاف قد تمت يوم 29 أكتوبر 1965، بتخطيط كبير اشتركت فيه المخابرات الفرنسية وجهات نافذة في أحهزة الأمن والاستعلامات العامة ، إضافة إلى المخابرات الأمريكية والموساد ورجال المخابرات المغربية.

2)     نفذ عملية الاختطاف رجال من الشرطة الفرنسية وعملاء السديك وأصحاب سوابق سبق لهم ان اشتغلوا لنفس الجهاز في اختطاف أركو ، كولونيل فرنسي هارب إلى ألمانيا، وسلم في ظروف خاصة للشرطة الفرنسية.

3)     تم الاحتفاظ ببن بركة في فيلا بوشسيش من يوم الجمعة 29 أكتوبر إلى يوم السبت 30 أكتوبر إلى حين حضور الدليمي قادما من الجزائر في ظهيرة ذلك اليوم ، وأوفقير في مساء نفس اليوم قادما من المغرب.

4)     تلتقي شهادة المشاركين في العملية ديباي ولوني  و بوشسيش مع روايات أخرى حول دفن أجزاء من الجثة في منطقة اللواري أو تذويبها ، لكن هذه المرة في فرنسا، في حوض جيري ساخن . لكن رواية فيكون تقول إنهم غادروا فيلا لوبيز وكان حينها بن بركة في حالة سيئة ولكنه حيا ، وهي التصريحات التي أكدتها عشيقات لفيكون تحدث لهن عما وقع لبن بركة ، وأدلين بشهادتهن أما محكمة الجنايات بباريس .

5)      يبدو أن مصير بن بركة حيا أو ميتا أوكل إلى الطرف المغربي، كي لا يبقى أثر للجريمة في فرنسا. وقد يكون قد حمل حيا إلى المغرب، حيث لاقى حتفه في قبو ما، كما وقع لبعض من معتقلي تازمامارت.

6)       تشترك عدد من الروايات في أن بن بركة قد حقن أو شرب مخدرا عند احتجازه في فيلا بوشسيش.

7)     أدلى أوفقير والدليمي بتصريحات ، تؤكد اليوم أنهم كانوا ضالعين في عملية الاختطاف والاغتيال وإخفاء الجثة. والغريب في الأمر أن لوني الذي كان موجودا بالمغرب كتب إلى قاضي التحقيق الفرنسي نفس الرواية التي أدلى بها الدليمي لصحيفة الحياة ( 19/10/1966 )، وهي بلا شك نفس الرواية التي رواها الدليمي للمحققين الفرنسيين.وملخص هذا التصريح أنه كان بباريس للالتقاء ببن بركة والتأكد من عودته إلى المغرب، وأنهم فوجئوا في باريس باختطافه، واتصل المختطفون بهم ليعلموهم أن بن بركة بين أيديهم ، وأنهم مستعدون لحمله إلى المغرب مقابل فدية مالية، وأنهم قبلوا بشروط المختطفين في حالة عودته حيا وسالما. لكن الدليمي يقول إنهم تركوه حيا في باريس.

8)     تبدو رواية البخاري حول نهاية بن بركة يوم 29 أكتوبر 1965 منفردة عن الروايات الأخرى الصادرة من الفاعلين عن طريق رواة مختلفين، لكن هذه الرواية تقتضي إلغاء روايات بوشسيش وديباي و لوني وباليس و فيكون ولوبيز وغيرهم . كما تفترض حضور أوفقير والدليمي في باريس يوم الاختطاف ، كما تفترض تأكيدا من السلطات الجزائرية بأن الدليمي غادر الجزائر ، والتي كان في زيارة رسمية لها ، يوم 29 ، وليس          30 أكتوبر. بيد أن رواية البخاري، وإن كانت لها أهمية خاصة، تعتريها عيوب كثيرة في الشكل والجوهر.

كان بن بركة عالما بالمخطط الذي كان يستهدفه ، فقد كتب في بداية 1965 إلى الصحفية Christiane Darbor ، ما يلي :

” J’ai du quitter Genève précipitamment pour Rome afin d’éviter le sort d’Argoud. Je ne peux pas aller à Paris. J’y suis menacé. Paris truffé de policiers marocains et je pourrais être élevé à Orly même”.  Bernard Violet. ” L’affaire BenBaeka” . op . cit p 143

من غرائب الصدف أنه وقع لبن بركة نفس ما وقع للكولونيل أركو ، وعلى يد نفس الأشخاص تقريبا ، وتحت إشراف جهاز السديك ، لكن مصيره كان أسوء مما وقع لأركو.

الطرح السياسي : ” الحقيقة تنتقم من التزوير “

بسطنا في دراستنا هذه حدث اختطاف واغتيال بن بركة في سياق التحولات السياسية التي عرفها المغرب منذ 1960 ، والصراع الذي اندلع بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وأطراف عدة ، صراع حول المسار الذي يجب أن يأخذه المغرب آنذاك ، وكان إجهاض حكومة عبد الله إبراهيم مؤشرا لتحولات في موازين القوى ، كان بن بركة أحد ضحايا هذا التحول رغم أن الضربة الأولى جاءت من ذوي القربى داخل حزبه، وعمل زمن المنفى الأول على تبلور شخصية جديدة لبن بركة ، وعندما عاد إلى المغرب في ماي 1962 ، وجد الاتحاد الوطني قد تحول إلى أداة في يد الجهاز النقابي  ، وكان منتصف سنة 1962 زمن الاقتناع الكلي لبن بركة في الربط بين الأداة التنظيمية والأهداف السياسية والاستراتيجية التي ينبغي أن يسلكها ” الحزب الثوري” . قناعة أثبتتها الأحداث عندما كان بن بركة يعاين في الجزائر وسوريا عشرات من قيادات المقاومة وجيش التحرير في المنفى من أجل وطن كانوا على استعداد كلي من أجل الاستشهاد في سبيله، إبان سنوات الاستعمار. وكانت حياتهم مستهدفة أكثر من مرة. رغم مشاركة بن بركة في الانتخابات التشريعية التي جرت في ماي 1963، وفوزه بمقعد يعقوب المنصور، فقد غادر بسرعة المغرب في 15 يونيو لإدراكه أن مغرب ذلك الزمن لم يعد أمنا، كما أن الحزب الذي أسسه في سنة 1959، لم يعد أيضا تلك الأداة التي يمكن أن تحقق الأهداف التي كان بن بركة يعتقد أن الشعب المغربي يستحق أن يصل إليها.

ويمكن أن نضع عملية اختطاف بن بركة في السياق السياسي الداخلي بالعودة إلى كل الخطب والندوات الصحفية الرسمية ، وتصريحات مبعوثي الحكومة المغربية إلى عدد من الدول لشرح موقف الحكومة المغربية من الحدث.إن النقاش الذي جرى في حينه بين المغرب وفرنسا انصب أساسا على رد الفعل القوي للجنرال دوغول على حدث الاختطاف، في حين لزمت الطبقة السياسية الرسمية الصمت ، إلى أن مرت زوبعة دوغول. وكان ظاهرا من خلال التغطية الصحفية الفرنسية لتفاعلات قضية بن بركة على الساحة السياسية الفرنسية ، انه منذ اليوم الأول كان الخطاب هو المحافظة على مصالح فرنسا الاستراتيجية في المغرب، ولذلك نزعت تصريحات بومبيدو الوزير الأول آنذاك ، وفري وزير الداخلية إلى تحويل حدث اختطاف بن بركة في التراب الفرنسي إلى حادث شارك فيه عدد من الفرنسيين الذين كانت لهم ارتباطات بالماضي الاستعماري الفرنسي . كان الطرف المغربي حينها يمارس عملية دفاع تعتمد على إخراج أوراق متتالية تجاه فرنسا ، بدءا بالكتاب الأبيض وانتهاء بالتهديد الذي وجه مباشرة إلى الجنرال دوغول ، من خلال وثيقة مكتوبة بخط بن بركة عن لقاءات الرجلين السرية في العديد من المرات .  وهو تهديد موجه إلى دوغول نفسه لإحراجه بالأساس في الساحة السياسية الفرنسية ، وتعقيد العلاقات الفرنسية الأمريكية ، التي كانت تمر من ظروف حرجة نتيجة مواقف فرنسا من سياسة الولايات المتحدة، خصوصا بعد الاستقلال  العسكري لفرنسا بخصوص موقفها من الناتو، إضافة إلى رؤية خاصة لدوغول تجاه العالم الثالث تختلف كليا عن رؤية الولايات المتحدة. وبما أن هذه الأخيرة كانت ترى في تحرك بن بركة ،من خلال الإعداد لمؤتمر القارات الثلاث ، خصما حقيقيا يهدد مصالحها في القارات الثلاث. كما استطاع بن بركة أيضا أن يقرب بين الفتناميين والكوبيين ، وهي عملية كانت تثير الرعب لدى مهندسي السياسة الأمنية الأمريكية. وهذه الأبعاد الدولية في عملية اغتيال بن بركة ستكشف عنا لا محالة تقارير المخابرات الأمريكية حول المهدي بن بركة ، ولاشك أن المسؤولية الأمريكية في القضية هي التي تقف اليوم حاجزا لرفع السرية عن هذا الملف من لدن وزارتي الدفاع والعدل الأمريكيتين .

في سنة 1965 أصبح الحجم السياسي لبن بركة أكبر من شخصية سياسية تنتمي إلى المغرب ، فهو الرجل الذي أصبح يطلق عليه الرئيس بن بركة، بوصفه منسقا لحركات التحرر العالمية، وزعيما مقبلا لمؤتمر القارات الثلاث، وهي أول مرة ستجتمع فيها حركات التحرر الأمريكية والإفريقية والآسيوية، في إطار تنظيمي يسمح بتوازنات جديدة في السياسة الدولية ، فجمع الرجل بين الفتناميين والكوبيين ، وأقنع السوفيات والصينيين بأن مؤتمر القارات الثلاث يهم الشعوب أولا قبل الأنظمة.

كانت فرنسا الدوغولية تحتل مكانة متميزة في السياسة الدولية ، وتنحو توجها سياسيا مستقلا عن الولايات المتحدة الأمريكية. لم ترد فرنسا أن تبقى على هامش ما يجري من إعداد لمؤتمر القارات الثلاث ، وكانت اللقاءات المباشرة مع بن بركة وسيلة لفهم السياسة المستقبلية لهذه الحركة العالمية. وكشفت عدد من وثائق المخابرات الفرنسية، التي تم نشرها في كتاب الصحفيين Krop و Faligot ، في سنة 1985 حول المصالح السرية الفرنسية، أن بن بركة زار بأسماء مستعارة باريس عدة مرات ، وكانت المخابرات الفرنسية عالمة بذلك من خلال عدد من الوثائق التي نشرها الصحفيان المذكوران أعلاه.( تم نشر هذا الكتاب بعد التحول الذي عرفته مصالح المخابرات الفرنسية إثر صعود الحزب الاشتراكي الفرنسي إلى الحكم في ماي 1981 ، وإدخال تعديل جوهري على مكونات الأجهزة المخابراتية الفرنسية) . بالمقابل كانت الولايات المتحدة تهدف إلى قطع أي دعم سياسي من أي دولة تنتمي إلى ما كان يعرف بالعالم الحر. وليس من الصدف أن تأتي عملية اغتيال بن بركة في التراب الفرنسي ليلة الإعلان عن ترشح الجنرال دوغول لانتخابات رئيس الجمهورية. ودوغول أحس بأنه كان مستهدفا أيضا من عملية اغتيال بن بركة، ولذلك صب جام غضبه على ” أولئك” الذين استهدفوه من الفرنسيين، وعلى الجنرال أوفقير أيضا .

أظهر كتاب ريموند فيولي : ” قضية بن بركة”،  ومن خلال شهادات عدد كبير من الضالعين في عملية اختطاف بن بركة ، ومن المسؤولين في مختلف الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الفرنسية ، أن مصالح السديك كانت تحكمها شبكات من الأطر ذات ارتباطات استعمارية ، واشتغل العديد منهم في المغرب والجزائر ، حتى في مرحلة ما بعد الاستقلال. وكشف التحقيق القضائي أن أجهزة الاستخبارت ” السديك” مختلطة بالأجهزة السياسية ، وبرجال الانحراف والعصابات . والحالة هذه أن اختطاف بن بركة يجري في سياق عرفته فرنسا في هذه الفترة من اختطاف العسكريين الفرنسيين السابقين أو الاغتيالات أو اختطاف مناضلين من الاتحاد الوطني ، كما وقع لأحد المغاربة بباريس، والذي كان يشبه إلى حد بعيد الفقيه الفكيكي ، أحد قياديي المقاومة وجيش التحرير ، وأحد قادة التنظيم السري إلى حدود 1971. وحمل الرجل الفكيكي إلى فيلا بضواحي بريس، وأطلق سراحه بعدما تم التحقق من أنه ليس المعني بالأمر. وكان عدد من المناضلين الاتحاديين في ذلك الزمن يعرفون جيدا الارتباط القائم بين رجال الأجهزة الأمنية الفرنسية والمغربية. والذين خططوا لاغتيال بن بركة اعتمدوا بالأساس هذا المعطى لإنجاح العملية. وبمجرد انكشاف اختطاف بن بركة عملت أجهزة متعددة داخل المخابرات والأمن الفرنسي على إخفاء الوثائق والتستر على المعلومات، بدعوى سر المهنة وسر الدفاع الوطني وعدد من الفصول القانونية التي كانت عرقلة في وجه قاضي التحقيق زولنجر، و نقل ريموند فيولي ، تصريحات لهذا الرجل الذي عانى الكثير ، فقد قال للصحفي Charles Villeneuve  :

” Je ne pouvais plus rien ajouter . Toutes les portes étaient fermées, tous les verrous poussés..” ( R. Violet. op. cit .p351)

إن اختيار فرنسا كمسرح لعملية الاختطاف لم يكن اعتباطيا ، وكان بن بركة واعيا بالمخاطر التي تهدده ، عندما صرح ، كما أوردنا أعلاه ، من أن اختطافه ممكن في قلب مطار أورلي. فما ظهر من خيوط القضية يبرز أن الحلقة الفرنسية تتكون من سياسيين، يتمتعون أيضا بحماية من مختلف المؤسسات السياسية في البرلمان والبلديات والجهات ويملكون وسائل إعلامية قوية، بل إن الأمر ألزم إدخال شخصيات وازنة جدا في الأدب والسينما في لب معركة اختطاف بن بركة وانعكاساتها السياسية. ومن ضباط في المخابرات والأمن والاستعلامات ، ولهم علاقات خاصة مع الفاعلين السياسيين الفرنسيين ، ومن رجال عصابات يشتغلون في نفس الوقت في عالم الانحراف ويؤدون خدمات للمصالح السرية . ولذلك يبقى العمق السياسي ، على ضوء ما ذكرناه، قائما في عملية اختطاف بن بركة داخل التراب الفرنسي . وعندما يصر دفاع الطرف المدني على فتح ملفات المخابرات الفرنسية بشأن بن بركة، فإنه في الحقيقة يضع يده على أحد مفاتيح هذه القضية التي طالت لمدة تقارب الأربعة عقود. ومن غرائب الصدف ، ومن سوء حظ بن بركة ، أن فرنسا الاشتراكية لم تستطع أن ترفع السرية عن هذه الملفات، ويكفي أن نذكر أن بومبيدو الذي كان رئيس الوزراء إبان عملية الاختطاف ، ورئيس المخابرات الفرنسية ، سيجد نفسه بعد ذهاب دوغول رئيسا للجمهورية ، كما رقي عدد من المسؤولين إلى مراتب أعلى، أي أصبحوا هم بدورهم في مراكز القرار ، وهكذا دواليك.

بقيت نقطة إيجابية في هذا الخضم من المصالح المشتركة التي تحجب الامتدادات السياسية العالمية لاغتيال بن بركة ، متمثلة في أن القضاء الفرنسي لم يغلق ملف بن بركة ، وما زال مفتوحا إلى يومنا هذا.لأن القضية باختصار أكبر من أن تكون قضية مغربية صرفة أو قضية فرنسية أو أمريكية أو إسرائيلية أو سويسرية.واستحضار هذه المعطيات جميعا في عملية بناء أحكام ، يغنينا عن تبسيط القضية في حادثة قتل أو انتقام أو …ويبقى الاستدلال بالجزء على الكل عملية خطيرة ومحرجة.

بالنسبة إلى المغرب ، نعتقد- في حدود ما نشر حول القضية-  أن وزير الداخلية و المدير العام للأمن الوطني آنذاك وآخرين ، قد يكونوا الأداة المنفذة للمخطط الذي وضعته جهات للعب بالورقة المغربية في التراب الفرنسي بهدف كسب أوراق رابحة في رهانات داخلية ودولية، لأن لا أحد يعتقد أن المخابرات المغربية كانت أكبر حجما من الأجهزة السرية العالمية، والدليل هو تورط وزير الداخلية ومدير الأمن الوطني إلى جانب حلقات صغيرة في جهازي السديك والأمن الفرنسي  وأعلام من عالم الانحراف وأصحاب السوابق .  ولذلك سيكون الجانب المغربي قويا إذا استطاع فتح ما يتعلق بهذه القضية في الثانية عشرة والنصف زوالا وداخل البيت المغربي ، لأن هذه العملية ستبرز فعلا الإجراءات الفعلية لإرادة إنهاء ملف الاختطاف والاعتقال ، التي أعلن عنها منذ  مدة ، ولأن بن بركة رمز لمرحلة في تاريخنا القريب ، مرحلة مؤلمة لكنها مفيدة إذا قبلنا جميعا بمبدإ انخراط المغرب في القيم العالمية لحقوق الإنسان .

Advertisements